Affichage des articles dont le libellé est عشي الجيلالي. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est عشي الجيلالي. Afficher tous les articles

16/03/2013

قراءة في ديوان "شظايا الانكسار" للمبدعة السعدية الفضيلي



1-
"إن الشاعر هو هذا الذي يضحي بنفسه ليدع السؤال مفتوحا" يقول موريس بلانشو Maurice Blanchot.  و من الأكيد أن السؤال الذي يحرص الشاعر على أن يظل مفتوحا يأخذ مسارات متنوعة و اتجاهات مختلفة و من دون ذلك لن يظل مفتوحا، و لكن ما العلاقة بين أن يضحي الشاعر بنفسه و بين أن يظل السؤال مفتوحا؟
  جواب ذلك في اعتقادي، أن الشاعر لا يمتلك اليقين في المعنى الذي سيصل إلى القارئ، كما لا يمتلك السلطة الكلية على كافة العناصر التي يتكون منه النص الذي أنتجه، و لا يتحكم في طبيعة الأثر الجمالي المتوقع حصوله في المتلقي. فليس من شأنه أن يقدم الإجابات النهائية اليقينية الكفيلة بأن تمنح لأصحابها السطوة على الناس.
  لذلك يبقى السؤال مفتوحا لدى الشاعر إزاء النص الذي أنتجه هو نفسه ، كما يبقى مفتوحا عند القارئ إزاء النص الذي اختار أن يقرأه. و في اختيار النصوص التي نقرأها يقول أدونيس: "كنت دائما و لا أزال أكثر ميلا إلى قراءة ما يمكن أن يدلني على الشرار الذي بدأ يترمد في داخلي، و على ذلك الذي يتوهج في الخارج" بهذه العبارة لا ينبغي أن يكون الشاعر حارسا لباب السؤال فحسب، بل دليلا إلى ما يبعث في رماد الأرواح جذوة الحياة و مرشدا إلى مكامن الأمل في الواقع المعيش. لذلك عندما قرأت عنوان الديوان "شظايا الانكسار" استحضرت ديوان نازك الملائكة "شظايا و رماد" الذي ألفته عام 1949، و لم أدرك في الوهلة الأولى أنه عنوان مخادع، فقد اكتفيت بتفسير سطحي له إذ اعتبرته من الكلام النثري العادي الذي لا يكاد يتجاوز معناه الحسي المباشر، فكل شيء ينكسر سواء كان زجاجا أو حطبا أو غير ذلك تتطاير منه كسارات و شظايا مختلفة الأحجام. و قارنت هذا مع مقدار ما يبذله كثير من الشعراء المعاصرين من جهد في اختيار عناوين لدواوينهم حتى تكون واجهة لماعة تغري القراء باستطلاع ما بداخلها. خلصت دون تريث إلى أن هذا العنوان عتبة سهلة المرتقى، و لكني بعد الاطلاع على النصوص التي يضمها الديوان استخلصت منه درسا هو أنه لا يجب الاكتفاء بالوقوف عند العتبات. فالعنوان برغم بساطته الخادعة يسمح بصوغ عدة فرضيات تتعلق ببناء معاني النصوص الشعرية التي يضمها الديوان، فما هي طبيعة الانكسار في هذا المقام؟ و ما نوع الشظايا الصادرة عن هذا الانكسار؟ و هل  هو عنوان نص من نصوص الديوان استفرد بها اختيار المبدعة على نحو ما يقوم به كثير من الأدباء و الشعراء، فعلى سبيل المثال الديوان الذي أصدرته نازك الملائكة سنة 1947 يحمل عنوان إحدى القصائد التي يضمها الموسومة ب "عاشقة الليل".  
  لا يتعلق العنوان في مقام هذا الديوان باستعادة اسم أحد نصوصه بقدر ما يتعلق بتحديد السمة العامة التي تتصف بها هذه النصوص عموما و هي سمة الانكسار بما يفيده من معان مختلفة مثل الهزيمة و الاستسلام و الاستلاب و الاحباط و تحطم الأحلام و الآمال و اليأس و الكآبة. فالعنوان المصوغ هنا على مستوى اللغة، في شكل مركب إضافي يميل عادة إلى حذوه كثير من الشعراء لصياغة عناوين دواوينهم  ("رياح النور" لأحمد اليعقوبي، "لعنة باخوس" لأحمد بلقاسم، "أوتار النزيف" لعبد العزيز أبو شيار) ، يتكون من عناصر حسية تتولد عنها دلالة غير حسية. فالانكسار في هذا السياق لا يدل على شيء مادي تكسر فصار شظايا بل على كيانات و حالات إنسانية تعاني خيبة الأمل و مرارة الهزيمة. و من أمثلة ذلك في الديوان النصوص التالية:
1-   مدينة حزينة: يعكس انكسار الذات  الشاعرة  التي كلما عادت إلى مدينتها تنكرت لها و لفظتها، فقد تغيرت ملامح هذه المدينة و صارت إلى القبح و البشاعة أقرب بعد أن هجرتها الخيول و السيوف و الأقلام و سبيت فيها النساء.(ص:10)
2-  ملحمة الحجاج: يظهر هذا النص على نحو مفارق لهذا العنوان نفسه  ملحمة أخرى حقيقية تتعلق بالمناضل المعتقل الذي يشبه في هذا السياق بالمسيح في معاناته و انكساره.(ص 14)
3-  سقوط الخيل: يعبر هذا النص عن الحرقة الناجمة عن اغتيال و استشهاد فئة من المناضلين اليساريين المغاربة تحت التعذيب أمثال عبد اللطيف زروال الذي اغتيل في 14 نونبر 1974 و أيمن التهاني الذي استشهد تحت التعذيب في سجنه بتاريخ: 6 نونبر 1985 (ص 21)
4-   سيزيف: الذي يعكس حالة الشعور بالعبث و الرتابة و الاستلاب بفعل الحصار و المراقبة القرادية التي "تطل علينا مع قهوة الصباح" حتى تصبح فعلا آليا نمارسه على ذواتنا كأنه أمر نابع من أنفسنا. (ص24)
5-  "الموعد الواحد" ، "مغتصب" ، "منفية"، "بنت الهوى"، "انطفاء"، "تهمة" : تعبر هذه النصوص جميعها باشكال متفاوتة ، عن انكسار ذات المرأة في علاقتها بالرجل الذي يخضع في هذه السياقات كلها إلى نموذج وحيد
و أوحد هو نموذج "شهريار"،. و لتواتر هذا النموذج في هذه النصوص كلها بشكل ملفت للنظر، قد يخلص القارئ إلى استنتاج أن الديوان يكرس صورة مزدوجة عن الرجل، فهو خارج العلاقة مع المرأة يكون المناضل الذي يتحمل التعذيب في السجون دون استسلام و يكون المسيح الذي يتحمل الصلب  من أجل الكرامة و الحرية و يكون العامل المنجمي الذي يرفض الانسياق مع القطيع الخانع ليمارس "طقسه الخاص في اختراق الوجود"،
و لكنه بمجرد ما يصير  طرفا في العلاقة  بالمرأة، يصبح مغتصبا و وغدا و شهريارا تملأ قلبه القسوة و الخيانة.
6-  عرق: يصف هذا النص معاناة عمال المناجم: " آت من بطن مغارات/ نهشت فيه/ آخر عظم/ و آخر جلد" (ص 39)
7-  عيون منكسرة: يعكس هذا النص انكسار الطفولة متجسدا في ما يعانيه الأطفال من كبح لطاقاتهم المتوثبة و قمع لما تحبل به قلوبهم من فرح
و براءة.(ص 61)
8-  وطن متعب: يحمل هذا النص صورة قاتمة عما يعانيه الوطن من الانكسار بسبب خيانة أبنائه و جبنهم و كسلهم.(ص 72)
لا يكتفي الديوان بجرد مظاهر الانكسار في المجتمع من خلال النصوص التي تم الاستشهاد بها، و لكنه يفتح من خلال هذه النصوص نفسها آفاقا للخروج مما يعنيه هذا الانكسار من يأس و انسداد، بحيث يصير الشعور بالانكسار دافعا للتحدي و المقاومة. و هكذا يصبح الانكسار مصدرا لشظايا ملتهبة قد تؤذي من يعترضها وأنوار ساطعة قد تعمي من يواجهها. و بتعبير نزار قباني " ومن الجرح تولد الكبرياء".
تأكيدا لهذه الفرضية يمكن الاستشهاد ببعض النصوص من الديوان، ففي "مدينة حزينة" تكون الهجرة بمثابة احتجاج على موت المدينة. و في "ملحمة الحجاج" تعجز سياط التعذيب أن توقف انطلاق الروح و شعورها الجامح بالحرية
و الانعتاق. و في "الموعد الواحد" لا يستطيع استجداء الحب أن يمحو آثار الخيانة.و في "عرق" يولد عامل المنجم من رحم الاستغلال ولادة جديدة ليصنع تاريخه دون الرضوخ لأي طقس من طقوس القطعان البشرية المستسلمة.
أما الانكسار الذي تشعر به الذات الشاعرة بما يعنيه من "تعب الروح"  و أرق و حزن و دموع و أوهام، فلا يخلصها منه إلا الشعر، فهو "مخبؤها السري" و هو "الجنون الجميل" الذي يحررها، بل هو مبرر وجودها الذي يمنحها هويتها و الأمل في "عمر آخر" تتجاوز به عمرها الحقيقي: "استفيقي قصيدة تمتد بين الأرض و السماء"
2- تقول الناقدة يمنى العيد في كتابها "في معرفة النص" (ص 105) عن الإيقاع الداخلي الذي يميز القصيدة الحديثة عن القصيدة الكلاسيكية (العروضية) أنه" حركة تنمو و تولد الدلالة". لا تتحكم هذه الحركة التي تتسم بالتوتر المتصاعد في النص الواحد فحسب بل تتعداه إلى الديوان كله، فهي ليست حركة مستقلة تختص بنص واحد تقيده قافية واحدة و ووزن عروضي واحد، بل هي حركة متحررة من كل إكراهات موسيقية خارجية. لذلك فهي حركة تولد الدلالة على مستوى النصوص كلها دون الاقتصار على دلالات نص واحد. هكذا يمكن أن نعتبر ديوان "شظايا الانكسار" قصيدة واحدة متشظية إلى عدة عناوين صغيرة، فإذا أنت قرأت الديوان دون أن تقف عند تفريعاته الصغيرة، قد لا تشعر أن هناك حدودا بين هذه النصوص، فهي تتدفق في مجرى واحد قد تتنوع منعطفاته و لكنك لن تحس بأنك نزلت من المركب. هكذا يمكن أن نعتبر أن الديوان على مستوى الشكل عبارة عن قصيدة واحدة تنكسر فيها الأوزان الخارجية لينتج من ذلك الانكسار شظايا متناثرة تختلف من حيث الطول هي هذه النصوص التي تتصدرها عناوين صغيرة. بيد أن هذه القصيدة المتشظية تمتد خارج كل زمان و مكان فهي فضلا على أنها لا تشتمل على أي اسم قد يدل على شخصيات بعينها لا تشير إلى أي مكان قد يرسم حدود النطاق الجغرافي التي من شأنها الزيادة في قوة التأثير على المتلقي (باستثاء الإهداء الذي يتصدر النص "عرق" الذي يعد عنصرا خارج-نصي paratextuel)، كما لا تشتمل على أي مؤشر يتعلق بالإطار الزمني الذي من شأنه أن يفيد في بناء الدلالة بشكل عام.
أما اللغة التي تتحدث بها هذه القصيدة بنصوصها المختلفة، فهي لغة يخبر سطحها عن عمقها، فهي واضحة سافرة دون أن تكون متبرجة أو محتجبة. هي إذن لغة مروضة ومسيجة بالحيطة و الحذر و لا تترك للممسكين بالسلطة السياسية الفعلية و لا لحراس الأخلاق أي ذريعة لهدر دمها.
3- المرأة و المرآة: في كل كتاب لاشعور مختفي و منفلت من سطوة مؤلفه. ذلك ما يفسر صورا و عبارات و أوصاف و مواضيع تتواتر في كتاب في غفلة من صاحب الكتاب.  في هذا السياق لفت انتباهي في الديوان تواتر حضور المرآة في بعض نصوص الديوان. و لكنها مرآة من نوع خاص فهي لا تعكس كل حالات الكائنات و الأشياء، بل هي مرآة منحازة لا تعكس سوى القبح. و لتأكيد هذه الفرضية يمكن الاستهاد بالأمثلة التالية:
- في "ملحمة الحجاج" وردت العبارة التالية: "يسألون/ تكلم/ لماذا تعلق مراياك/ حيث نرى قبحنا؟" فالمناضل في هذا النص يفضح أجهزة الاستبداد و القمع ربما بمقالاته أو كتبه أو بغير ذلك من الوسائل بما يشبه المرايا التي تعكس بشاعة هذه الأجهزة.
- في "مغتصب" وردت العبارة التالية: "وحش كاسر/ يلتف حول أنوثتها/ يرى قبحه/ في مرآة روحها". ففي هذا السياق تصبح الأنثى مرآة يرى فيها الرجل المغتصب "وساخته".
-  في "منفية" ترد العبارة التالية:" تكسر مرآتها...تصالح مرآتها" فالمشكلة هنا بالنسبة للمرأة التي تحس بالنفي هي المرآة التي تعكس استلابها.
- في "تهمة" ترد العبارة التالية: "كسرت مراياه في وجهه"، حيث تعكس المرآة في هذا المقام غرور الرجل و نرجسيته و لكن أنثاه المتمردة تكسرها بما يظهر ضعفه و عجزه.
هناك موضوع آخر يتواتر في النصوص بنسبة مهمة هو "الليل" أترك للقارئ فرصة تتبعه في هذا الديوان.
4- في التناص:
يقول موريس بلانشو « Ecrire c’est récrire »يمكن ترجمتها كالتالي" أن تكتب هي أن تعيد الكتابة".
ويتساءل أدونيس: " أهناك حقا بداية من لا شيء؟ أم أن الأصح هو أن يقال: لكل بداية بداية؟" و يرجح القول: "ليس هناك في الثقافة بداية مطلقة. و ما نسميه أحيانا "بداية" ليس إلا امتدادا لما سبق و متابعة. ليس إلا توالدا و تنويعا و تأليف".
ما يسمح بالحديث عن التناص في هذا الديوان هو  النص "طقوس" المهدى إلى روح الشاعر نزار قباني، بما يوحي بأن هناك صدى و حوارا مع أشعار هذا الشاعر العربي الكبير في قصائد الديوان فضلا عن التوازي الملحوظ بين عنوان ديوان نازك الملائكة "شظايا و رماد" و عنوان الديوان موضوع هذه القراءة "شظايا الانكسار".
 يعني مصطلح "التناص" في نظر خليل الموسى (نقلا عن كتاب "التناص في الشعر العربي الحديث" ص 29) " تشكيل نص جديد من نصوص سابقة أو معاصرة تشكيلا وظيفيا، فيغدو النص المتناص خلاصة لعدد من النصوص التي امحت الحدود بينها" و يقصد بالتشكيل الوظيفي هنا الامتصاص و التحويل و المحاورة بالرفض أو الموافقة. و تمثيلا لذلك من الديوان سأكتفي بما يلي:
- في النص "الموعد الواحد" يمكن الافتراض بأن هناك صدى لأحدى قصائد نزار قباني عن طريق معارضته. يقول نزار قباني من قصيدة عنوانها "اغضب"
"اذهب إذا أتعبك البقاء
فالأرض فيها العطر و النساء
و عندما تحتاج كالطفل إلى حناني
فعد إلى قلبي متى تشاء
فأنت في حياتي الهواء
و أنت عندي الأرض و السماء"
بينما تقول الشاعرة في ديوان "شظايا الانكسار"
"عاد طفلا ساذجا
يستجدي حبا
مستحيل
الحب كالموت
يضرب موعدا واحدا"
يمكن أن نقيم توازيا بين النصين من خلال المؤشرات التالية:
ü   تشبيه الحبيب بالطفل.
ü   عودة الحبيب بعد الهجران لحنان الحبيبة عند نزار قباني و لاستجداء الحب في ديوان "شظايا الانكسا".
ü   استقبال هذه العودة إيجابيا " فعد إلى قلبي متى تشاء" عند نزار قباني وسلبيا في ديوان "شظايا الانكسار" " الحب كالموت يضرب موعدا واحدا".
من خلال هذا المثال يبرز تناص مع نص سابق هو عبارة عن حوار معارض دون أن يعني ذلك إعادة إنتاجه أو تكراره. هناك مكامن أخرى لمثل هذا التناص مع نصوص أخرى لا يتسع هذا المقام لبحثه. 


 إنجاز: الجيلالي عشـي

06/09/2012

الفقيه الجديد


  كنـا مصطفين و بين أيدينا ألواحنا كالدروع، واقفين على حصر دبغتها السنــون و كثرة القعود فأمست كظهر حمار مدبور.
  كنـا صفين مرصوصين متقابلين يتقدمنا قيـم الجامع المسن. لقد كنا أشبه بجنود قلقين تنتظرهم مهمة خطيرة. عيوننا متجهة صوب الطريق المغبرة التي تكاد تكون بلا نهاية في هذه الأرض الجرداء المترامية الأطراف.
  عند الفجر أيقظني أبي و قال: اليوم سيحـل سيدكم الجديد.
  أخذت لوحتي و قطعة صلصال و قلما ثقفته بكل ما أملك من مهارة فصار كالرمح المسنون. و اتجهت نحو الجامع و النوم يغالب جفنيّ.
  أحسست بهبات النسيم البارد تتسرب من بين ثقوب جلبابي و تقضي على ما تبقى في جسدي من كسل و نعاس. و في غبش الصباح رأيت رفاقي كقطيع أشباح ينحدرون نحو المسجد.
  عند وصولنا شرع أربعة غلمان غلاظ شداد يمدون الحصر، التي توارثها الطلبة جيلا بعد جيل ، على مساحة الفناء الخارجي للجامع.
  كانت الحصر بلون الأرض الرمادية المتشققة، حتى أني صرت أرى الأرض كلها مغطاة بالحصر، فكنت أحك عيني لأتأكد مما رأيت، فلا أرى سوى التراب كأنه الرماد.
  حشرت بين الطلبة في أحد الصفين، فصفعتني رائحة البول من جانب
 و لما أدرت وجهي إلى الجانب الآخر لفحتني رائحة الروث و الضروع. همست لمن يقف على شمالي:
-        اجعل لأحلامك الشاردة راعيا.
  و همست في أذن من يقف على يميني:
-        أما زلت تنام في الزريبة؟
  نظر قيم الجامع إلى الصفين نظرة القائد وسط ساحة الحرب. و سارع بحزم و صرامة إلى تقويم القامات المعوجة، و خفض الرؤوس الشامخة، و تسوية الصدور الناتئة.
  بـت أقرأ في وجوه رفاقي علامات الحيرة و الاستغراب، لأننا لم نألف مثل هذا الاستقبال لأسيادنا السابقين. اغتنمت اقتراب أحد الغلمان الشداد فسألته:
-         لماذا كـل هذه الفوضى؟ 
تفحصني مليا. و لما فطن إلى ما يحمله سؤالي من حيرة، أجابني بكل يقين:
-        إن سيدنا الجديد من الزاوية.
  تظاهرت بالفهم، بينما ارتسمت في ذهني علامة استفهام كبيرة عن معنى الزاوية. فكل أسيادنا السابقين كانوا يحفظون القرآن و يلتهمون الطعام،
 و لا يختلفون إلاّ من حيث أسلوبهم في استعمال العصا و اختيار أنواعها. فهل معنى الزاوية أسلوب جديد في استعمال العصا؟
  و أخيرا وصل سيدنا الجديد على بغلته الشهباء بعد أن أعيانا الوقوف. توقف في مواجهة الصفين ثم جال ببصره بين الوجوه، و كاد أن يسمع لدقات القلوب رنين في صدور الطلبة. عندئذ انفلت ضراط من البغلة قبل أن يتبعه انفلات قدر مهم من الروث. فسارع أحد الغلمان الغلاظ إلى جمعه بيده و هو يوشك أن يعثر بجلبابه، و وضعه بعيدا عند شجرة صبار مجوفة.
  ترجل سيدنا عن ظهر بغلته بوقار مدروس. انحنى قيم الجامع لتقبيل يديه، فمدها له بلامبالاة متكلفة و نظره مسدد إلينا.
 لا تختلف هيئته كثيرا عن هيئة الأسياد السابقين. قامة قصيرة. بطن منتفخ. وجنتان تفشيان عن كثرة الحضور للولائم و الدعوات. بيد أنه يمتاز بلحيته الخفيفة التي تنم عن العناية البالغة التي يوليها لها. و قد جعلني هذا أغير ما رسخ في ذهني من اقتران صورة الأسياد بكثافة اللحى و طولها.
  أخـذ سيدنا الجديد يمد يده ذات اليمين و ذات الشمال ليقبلها الطلبة بخوف يمازجه الإجلال. و بدا أن سيدنا يستمتع بالتقبيل، فصار يتفنن في تقليب يده لمزيد من الاستمتاع و التلذذ.
  و بالرغم من تسارع دقات قلبي، و إحساسي بالمرارة في حلقي توشك أن تصيبني بالغثيان، كــدت أن أضحك لمرأى غلام فارع الطول و هو ينحني كشجرة صفصاف قصمتها ريح عاتية، ليمرغ شفتيه في كف الفقيه.
  شعرت بجسمي الضئيل ينكمش و يزداد ضآلة و صغارا. انسحبت خلسة من الصف ثـم وقفت خلف بقايا حائط منهار أتابع مشهد التقبيل. لقد سبق لي أن قبلت يد أحد الأسياد السابقين، فاصّاعدت من ذلك التقبيل معدتي بسبب رائحة حامضة مقرفة اخترقت أنفي كالسهم المسموم. سأعرف عندما أكتشف بلوغي جنس تلك الرائحة.
  دخلت مع الداخلين و بي خوف و هيبة من أن يفتضح أمري. و فجأة أحسست بيد خشنة تمسك بكتفي بشدة. سألني قيم المسجد بصوت يمتلئ بالوعيد: أين اختفيت؟
أجبته متلعثما: كانت بي حاجة قضيتها.
-        ألم تجد حاجتك وقتا غير هذا؟
 جلست مع الجالسين على الحصير البارد محتميا بلوحتي.  جلس سيدنا على المصطبة العليا متربعا على فروة خروف  ناصعة البياض كثيفة الصوف. و دونه جلس الفتيان الأربعة الشداد الغلاظ.
  تـلا الفقيه بعض الآيات فإذا هي مليئة باللحن و التحريف. ارتبت أولا في ما حفظته من الذكر. و لكني لما استرجعت ما اختزنته و رددته طوال سنين،
 و استظهرته سرا تأكدت مما لاحظت حد اليقين. نظرت يمينا ثم نظرت شمالا فإذا الرفاق مسمرون في أماكنهم كالأوتاد و أبصارهم شاخصة إلى الفقيه الذي أتانا من الزاوية. استبد بي القلــق و هاجت نفسي لقول الحق
، فهذه آيات تمسخ في فم الفقيه. انتظرت لحظة أن يتجرأ غيري ممن هم أقدم و أحفظ مني على تصويب هذه الزلات، و لكني لم أتلق سوى صمت أعمق من الموت.
  تأبطت لوحتي و وقفت مستقيما كالعمود مصححا ما سمعت من لحن
و تحريف، فلم أكد أتـــم قولي حتى شعرت بنفسي مطروحا على الأرض خارج المسجد.
  اندهش أبي لما رآني واقفا جنبه في الحقل. رويت له ما جرى. تأملني لحظة ثم ابتسم ابتسامة عريضة. و قال لي: ها هو ذا المحراث بجنبك اعتبره قلمك. و ها هي ذي الأرض أمامك اعتبرها لوحتك، فخـط عليها ما تشاء مما ينفع الناس و ينفعك.

                                  
       بركان. الخميس 24 يناير 2002 




الجيلالي عشي



عصا موسى


الطبعة الأولى 2009
شركة مطابع الأنوار المغاربية وجدة
رقم الإيداع القانوني: 0508/2009



14/06/2012

قراءة في المجموعة القصصية : الشيخ قارون


مقدمة:
أول ما تستقبلك به المجموعة القصصية "الشيخ قارون" هو التنويه إلى عدم الخلط بين شخصيات المجموعة التي تكتسي طابع خياليا
و شخصيات واقعية حقيقية. و التنويه لغة هو الدعوة بصوت مرتفع بما يجعله يرادف التحذير. و مثل هذا التنويه يوحي بأن المجموعة تتضمن فاكهة محرمة ينبغي إحاطتها بسياج متين يحظر كل قراءة آثمة من انتهاكها.
  و الحال أن هذا التنويه أشبه بما يوضع على ملصقات نوع من الأفلام من منع يخص الذين تقل أعمارهم عن ثمانية عشر سنة. بيد أن هذا المنع يصبح عمليا إغراء بالإقدام على مشاهدة ما يقع عليه المنع بالذات. و هكذا يصير التنويه الذي يتصدر المجموعة إغراء بالبحث في ملامح شخصياتها عما يوازيها في الواقع من شخصيات حقيقية. يصير هذا التنويه إذن دعوة صريحة إلى اقتراف نميمة أدبية يلتبس فيها الواقع بالخيال، فيصير من ثم اثر التحذير عكسيا أي فاقدا لكل مبرر يستدعي وجوده لا سيما أنه يحمل في طياته تمثلا استصغاريا لقدرة القارئ على التمييز بين الواقع و الخيال. غير أنه يقوم من وجه آخر كمؤشر على أن ما سيأتي من نصوص سيتخذ منحى واقعيا مباشرا.
  قراءتي لهذه المجموعة التي تضم اثنتي عشر قصة، لن تنطلق من "عراء موقفي" و لكنها لا تدعي أنها ملزمة بصرامة نقدية منهجية. فلن تعدو أن تكون حوارا مع نصوص المجموعة و تفاعلا معها استلطافا
 و استهجانا.
 سأحاول من خلالها إظهار الرؤية الشاملة التي تثوي في ثنايا نصوص المجموعة التي تقوم، من هذا المنظور، كرؤى جزئية يمكن تركيبها في إطار بنية أكثر شمولية. و ليس ثمة بد من التأكيد على أن الأمر هنا يتعلق "بالرؤية كما يعبر عنها في بنية العمل ذاته، و ليس انطلاقا من مخططات الكاتب الواعية أو من الفكرة التي يكونها عن كتاباته الشخصية" (مفاهيم نقد الرواية بالمغرب، فاطمة الزهراء أزرويل، ص:173)
سيتم التعامل مع هذه نصوص هذه المجموعة كأثر أدبي تساهم في بنائه مجموعة من العناصر. لذلك لا بد للكشف عن الخيط الرابط الذي تأتلف حوله هذه النصوص من رصد تقنيات الكتابة التي اعتمدها الكاتب في نسج  قصصه و الأغراض التي اصطفى لها.
1) الدوران مع حركة الشمس:
من أين يبدأ الحكي في نصوص هذه المجموعة؟
سيكتشف قارئ هذه المجموعة أن نصوصها تبدأ فيما يشبه طقسا ثابتا  بمقدمات  متشابهة حيث يبزغ النص مع بزوغ الشمس.
تحضر هذه التقنية (التي يمكن أن نطلق عليها اسم "بزوغ النص مع بزوغ الشمس") في أغلب النصوص مع تفاوت بسيط بينها على نحو ما يلي:
1-  الشيخ قارون:"و ذهبت مبكرا إلى المسجد العتيق لأحضر درس العالم العلامة..."
2-  ليندا: "تستيقظ كسلانة و متأخرة كعادتها.."
3-  اختراع: يبدأ الحكي فعلا في هذا النص بعد تقديم وصفي قصير لحالة الطقس بما يلي:" استيقظت باكرا كما تعاهدنا.."
4-  الحلاق: " من عادتي ألا أغادر البيت قبل أن أتناول فطوري، و لا دون حلق ذقني، ذلك هو دأبي منذ نعومة أظافري و منذ رهافة صغري و منذ رهافة زغبي. غير أنه في ذلك اليوم أيام دجنبر الباردة الشاحبة و المقتضبة حصل العكس فقررت أن أتناول فطوري خارج البيت" أي في الصباح الباكر ...
5-  بهاء: استيقظت بهاء صباح اليوم الذي تلا العاصفة متثاقلة..."
6-  حظ سعيد: بعد وصف قصير لحالة الجو و الزقاق و البيوت و الناس يبدأ النص كما يلي:" هذا الصباح الحالك و هو في طريقه إلى حيث أمرته أمه.."
7-  وميض: "استيقظت وميض استيقاظ المقبل على الحياة.."
 هكذا تتواتر هذه التقنية في سبعة نصوص من أصل اثني عشر  في انسياق مع الحركة الفلكية للشمس بما يؤدي إلى استنتاج أن العالم الذي الذي يسود في هذه النصوص هو عالم نهاري صريح و مباشر ليس فيه ما هو جدير بالستر و الإخفاء، بينما يغيب فيه الليل بما يتحرك فيه من أطياف و أشباح و ما يكتنفه من رعب و خوف و ما يحف به من أخيلة وشكوك. 
 إذا كانت هذه النصوص تبدأ على هذا النحو فكيف تنتهي؟
  يبدأ الحكي في كافة النصوص رتيبا في حركة زمنية خطية لا تراجع فيها و لا وقوف لينتهي بعبرة و موعظة تشبه المغيب أي بما يدعو للتوبة و المآب في انتظار عودة الصباح و في حركة  دائرية تتكرر فيها البدايات و المواعظ و العبر.و للاستدلال على هذا أقدم ألأمثلة التالية:
ü   القصة التي تحمل عنوان الشيخ قارون تنتهي بالدعوة إلى تقوى الله و الحذر "من زخرف الدنيا و من ملذاتها الفانية"
ü  الأب العجوز تنتهي بالتحذير من مساوئ الخمرة.
ü  المتسول تنتهي بالتنويه بمحاسن الصدقة.
ü   ليندا تنتهي بإبراز العواقب الوخيمة لعقوق الوالدين.
ü   حظ سعيد تنتهي بإظهارالنتائج العمياء للإرهاب في البلدان العربية الإسلامية (اغتيال الأطفال).
ü  وميض تنتهي بالانبهار بنتائج العمليات الاستشهادية أو الإرهابية  في إسرائيل وسط المدنيين.

2) أنا يحكي:
  يتواتر استخدام ضمير المتكلم في اغلب نصوص المجموعة بما ينسجم مع نسق السرد الذي "يعتمد على فاعلية العين الرائية (الفوتوغرافية) حيث تقترب الكتابة القصصية من الكتابة السينمائية، و تغدو اللغة وصفية إخبارية، في الدرجة الأولى. و يحضر القاص عبر هذا المنهج، راويا
و محورا" (نجيب العوفي/ الكرمل 8/1982)
"لكن واقعية الضمير التي انطبعت بها جل [نصوص هذه المجموعة] تقنع و تكتفي بتصوير الواقع بما هو عليه، مضافا إليه بعض "النوايا" الشخصية الحسنة " (العوفي، المرجع نفسه أعلاه).
 في النسق السردي الذي يتحكم في هذه النصوص «تتحد الذاكرة و المخيلة في مجرى و قناة واحدة تقود نحو المرئي المباشر" (أحمد المديني، آفاق 5/1980). أما اللغة التي يتشكل بها هذا النسق فهي تجنح بصورة عامة إلى أن تكون غاية في حد ذاتها بدلا من أن تكون في خدمة الحكي داخل هذه النصوص. لذلك تكاد هذه المجموعة أن تنسلخ عن السياق الفني الحالي لتعود إلى سياقات فنية سابقة.



3)  شخصيات هامشية:
عمن تحكي هذه النصوص؟
يلاحظ فرانك أوكونور في كتابه "الصوت المتفرد" أن القصة القصيرة خلافا للرواية، "لم يكن لها بطل على الإطلاق و إنما لها – بدلا من ذلك- جماعة خاصة معزولة لها مزاجها الذي يميزها عن غيرها" (ص7) يطلق عليها اسم "الجماعات المغمورة" و يمثل لذلك بمجموعة من القصاصين الذين اشتهروا باهتماماتهم الخاصة بفئات اجتماعية محددة، فقد اهتم غوغول في أعماله الأدبية على نحو خاص بفئة الموظفين و اهتم  موباسان بفئة البغايا و تشيكوف بالأطباء و المدرسين. فبأي فئة يهتم كاتب هذه المجموعة على وجه الخصوص؟
لا تكاد شخصيات هذه المجموعة و المجموعة السابقة "لعنة باخوس" أيضا تنفلت من عداد الفئات الهامشية التي تعاني من شتى الضغوط الاجتماعية التي تتكون من المدرسين و المتسولين و الأطفال و الفقهاء. و لكن إذا كان بالإمكان التعرف على هذه الشخصيات من خلال الأسماء و الأوصاف التي يقدمها القاص عنها، فهل نجح في النفاذ إلى معاناتها
و رصد مشاكلها الحقيقية؟
  تقتضي الإجابة على هذا السؤال عرض المواضيع التي تناولها القاص في نصوصه. و في سبيل ذلك أقدم الأمثلة التالية:
ü  قصة الشيخ قارون موضوعها أخلاقي يتعلق بالنفاق و مخالفة القول للعمل.
ü  الأب العجوز موضوعها أخلاقي يتعلق بأضرار الخمرة.
ü  ليندا: عقوق الوالدين
ü  اختراع: الرفق بالحيوان
ü  درس في التربية التشكيلية: موضوعها قومي يتعلق برئيس دولة عربية.
و باقي النصوص تتراوح بين المواضيع الأخلاقية و القومية العامة. فهل بمثل هذه المواضيع يستقصى الواقع المعيش و ما يعتمل فيه من عوالم مضمرة و مغيبة؟
لا شك أن قارئ هذه المجموعة سيلاحظ غياب السياق المحلي و الوطني الراهن سياسيا و اجتماعيا و فلسفيا و فنيا عن هذه النصوص إذ أنه سيلاحظ غياب تفاعلها مع ما يزخر به هذا السياق من أحداث و متغيرات و مشاكل، فلا وجود لنضال و لا نقابة و لا مظاهرة و لا إضرابات و لا سجون و لا سجال فكري فلسفي و لا قمع سياسي و لا حب و لا عشق
و لا عجب و لا غرابة و لا قلق  و لا خوف و لا سخط و لا كراهية...
لا يمكن تفسير هذا الغياب سوى بالرؤية الشاملة الثاوية بين طيات هذه النصوص و التي تحددها مختلف العناصر المتدخلة في بناء هذه النصوص نفسها. تقوم هذه الرؤية في شكل محافظ يستند إلى مرجعية دينية واضحة و هي تتميز باستسلامها للواقع الذي يبدو في امتداد نظرها واقعا ثابتا لا ضرورة لتغييره، هي إذن رؤية مطمئنة متوحدة لا سبيل للقلق و الغضب و الدهشة إليها.
بيد أن هذه الرؤية الدينية المحافظة لا تكاد تنجو من مآزق من حيث عجزها عن بناء نصوص متحررة يستوي فيها الإبداع معيارا أوحد. تشكل القصتان حظ سعيد و وميض مثالا صارخا لذلك المأزق، ففي حظ سعيد يدان الإرهاب الذي لا تحدد القصة هويته فهو غفل بدون أي هوية دينية أو سياسية لأنه يحدث في بلد يرجح من خلال اسم الطفل سعيد أنه بلد عربي يعيش فيه المسلمون.و لكن في قصة وميض تنقلب هذه الرؤية على نفسها فتجيز العمل الإرهابي الذي تتحدد هذه المرة هويته الإسلامية (وميض: توضأت و تطهرت من كل رجس و دنس و تلفعت بالبياض و قامت فصلت ابتهلت ، تضرعت سبحت و ذكرت ربها..) دون الشعور بأي أسف على ما سيحصد هذا العمل من مدنيين في إسرائيل التي يعيش فيها أيضا عرب مسلمون ; (يمثل عرب إسرائيل ما يقارب 20% من سكان إسرائيل قد يكون الطفل سعيد واحدا منهم مادام البلد الذي ينتمي إليه غير محدد في النص "حظ سعيد" ). و الملفت في هذه القصة وميض التي تمتد على صفحتين و نصف التكرار لوصف الإسرائيليين بالقردة
و الخنازير 6 مرات على نحو يوحي بأن لتكرار الكلام  أثراً سحريّاً من شانه أن يؤدي إلى هزيمة العدو الصهيوني.
كما يتجلى مأزق هذه الرؤية في قصة الشيخ قارون التي تقوم على التوازي بين الشيخ الخطيب و قارون. بيد أن القصة اصطدمت بالأفق المسدود لهذه المقارنة فقارون خسف الله به الأرض عقابا له على تكبره و بطره و بغيه، فهل سيخسف الله الأرض بالشيخ الذي يدعو الناس للزهد بينما هو يرفل في النعم.  لذلك سيكتفي الراوي بالدعوة إلى اجتناب الحسد و الالتزام بتقوى الله دون أن يبلغ به ما لاحظه من نفاق في خطبة الشيخ  حد الدعاء  عليه بالثبور و الخسران.


                                     

          بركان في: 07/06/2012   

إنجاز: الجيلالي عشي