Affichage des articles dont le libellé est قراءة. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est قراءة. Afficher tous les articles

21/07/2013

قراءة في رواية: روح شرّدتها الرياح

روح شرّدتها الرياح
رواية
عبد الباسط زخنيني
 مطبعة المعارف الجديدة، بالرباط
 سنة 2009



الروائي عبد الباسط زخنيني
المركز الاجتماعي للقرب ـ بركان
19 يوليوز 2013


باسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم، رمضان مبارك، وبعد :

فيسعدني أن أشارك بالكلمات التاليات، في هذه الأمسية الثقافيّة، التي نحتفي، فيها، مع مجلّة <<ديهيا الثقافية>>، وجمعية <<الشرق للتنمية والتواصل>> ، بأحد أبناء مدينتنا الغالية، المبدع الأستاذ الصديق عبد الباسط زخنيني، الذي أسهم في إغناء المتن الروائي المغربي، المكتوب بالعربية، بروايتين هما : <<نعمة الأشقياء>> الصادرة، من وجدة سنة 2007، و<<روح شرّدتها الرياح>> الصادرة، من الرباط، سنة 2009، بعد أن حازت جائزة القناة الثانية الأولى للإبداع الأدبي.
وقد أتيحت لي فرصة اقتناء نسخة من روايته الثانية، أواخر نونبر 2009، من مكتبة <<خدمة الكتاب>>، في الدار البيضاء، ما مكّنني من إنجاز هذه المداخلة. ومن المؤسف أن أتحدّث إلى أصدقائي البركانيّين، عن إصدار روائيّ لصديق بركانيّ هو أيضاً، وعددُ مَنْ اقتناه منهم لا يعدو أصابع اليد الواحدة، وأتمنّى أن أكون خاطئاً ... إنّها معضلة النشر والتوزيع، التي تجعل الحصول على إصدارات مبدعينا أمراً عسيراً جدّاً.
وإن غابت نسخ روايتَيْ السّي عبد الباسط، عن مكتباتنا، فالمبدع الإنسان حاضر معنا، وحضوره مسعدنا. وأشير إلى أنّ للصديق عبد الباسط روايتين أخريين، أعتقد أنّه سيحرِص، بعد طبعهما، على أن تتوفّر نسخ منهما كافية، محلّيّاً.
<<روح شرّدتها الرياح>> رواية من حجم متوسط، مكوّنة من 160 صفحة، نالت جائزة القناة الثانية الأولى للإبداع الأدبي لموسم 2007 ـ 2008، صدرت عن منشورات مفترق الطرق، وطبعتها مطبعة المعارف الجديدة، بالرباط، سنة 2009.
وقبلها، أصدر مبدعون منتمون لمدينة بركان الروايات التالية :
<<الجناح الهيمان بنبع رقادة الوسنان>>، لعبد المالك المومني، سنة 1996
<<أمواج الروح>>، لمصطفى شعبان، سنة 1998
<<غابة الإشارات>>، لعبد الكريم برشيد، سنة 1999
<<الرفيق أبو خمرة والشيخ أبو نهدة>>، لمحمّد الهلالي  سنة 2002
<<نعمة الأشقياء>>، لعبد الباسط زخنيني، سنة 2007
<<مرايا>>، لمصطفى شعبان، سنة 2008
ومجموع ما صدر لروائيّي بركان، بالعربية، لحد الآن 12 رواية، لتسعة مبدعين، ثلاثة منهم أصدر روايتين، هم : مصطفى شعبان، ومعمّر بختاوي، وعبد الباسط زخنيني. وإذا علمنا أنّ عبد الباسط أصغرهم سنّاً، إذ هو من مواليد 1978، بالسليمانية، ضواحي بركان، إذا علمنا ذلك، وعلمنا أنّ له عملين روائيين ناجزين أدركنا أنّ مبدعنا، الذي نحتفل به الأمسية، يتقدّم ليصبح أوّل روائيينا، من حيث كم الإنجاز. ولا تفوتني الإشارة إلى أنّ الكمّ الإبداعي المنجز في مدينتنا، باعتبار الزمان والمكان والسكّان، كمّ ضئيلٌ جدّاً.
<<روح شرّدتها الرياح>> عنوان الرواية، التى أحاول مقاربة عالمها، بهذه المداخلة. وهو مكوّن من خبر: كلمة روح، لمبتدإ محذوف، تقديره : هذه، متبوعٍ بصفة جملةٍ فعليّة، فعلها ماضٍ مثبت : شرّدتها الرياح.
هذه قصّة روح شرّدتها الرياح. فماذا ارتكبت هذه الروح حتّى تعاني التشرد؟ وإلام ترمز هذه الرياح المشرّدة؟
الروح المقصودة من العنوان نفس إنسانيّة، توّاقة إلى المحبّة والخير الإنسانيين، واجهتها معيقات الوئام الإنساني، ومشيعات الخراب الحياتي، المتمثّلة، من خلال الرواية، في رجال الاستعمار الغاصبين القاتلين،  وفي الفقيه رمز أئمّة النفاق الاجتماعي، وفي العم الجشع، وفي أهل الدوار المكبّلين بالخرافة والتقاليد البالية. أمّا الرياح، فترمز إلى مجرّدات جبّارة، ، وفي تأويلي، هي الأقدار. والتأويل مفتوح، كما تعلمون. 
وبداية الرواية متّسمة بالغرائبية، فالسارد يتحسّس كتاباً بالياً، حملته إليه الرياح، فلا يدرك إلاّ علامات المأساة : الدمعَ والعرق والدم. ومن الغرابة الشديدة أن تتدحرج الأجساد، من أوراق الكتاب، أمام السارد المبهوت، فينبعث أحدها، من بين السطور البالية، لِيسرُد تفاصيل فاجعته. ويتوارى السارد الأول، تاركاً الخطاب لذلك المجهول، راوياً قصته المأساويّة، معبّراً عن رؤية إلى الحياة ذات منزع وجودي، يميل أحياناً  إلى العبث. فالإنسان، حسب تلك الرؤية، كامن في الوسط، متأرجحاً، بين قطبي السماء والأرض، أي بين المقدس والمدنّس : النجوم والرّوْث. وذاك التأرجح الوجودي، بما فيه من حيرة وخوف، هو التيمة الأثيرة لدى روائيّنا عبد الباسط زخنيني. وتوضيحاً لذلك، أورد المقتطف التالي، على لسان السارد الثاني :
<<عشرات عشرات الأرواح معلّقة في السماء كالنجوم والكواكب باسمي، إن لم يكن في سجّل فاطر السماء والأرض، فعلى الأقلّ في حسابات بني جِلدتي. ولا أعلم لي ذنباً سوى أنّني اخترت أن أعيش إنساناً، واختاروا أن أدفن لعنة.
في البدء كان الخوف، وفي النهاية كانت الحيرة. الخوف حرقة، الحيرة حريق. وبين البداية والنهاية  بدايات عدّة ونهايات عدّة. لو كنت أملك أن أختار بين الخوف والحيرة لاخترت الخوف، لأنّه مفهوم ذو معنى، أمّا الحيرة فهي شيء غير مفهوم بتاتاً.
السماء
الإنسان
الأرض
هكذا بدأت الأمور وهكذا ستنتهي >>
(ص: 18)
وممّا يساعد على وسم هذه الرواية ب <<رواية الإنسانية الخائبة>> تلك المقتبسات التي وظّفها الروائيّ لإضاءة سرده، ورؤيته إلى الوجود. فقد اختار لاستهلال عموم سرده مقتبساً، مأخوذاً من رواية <<خلافة مفتوحة>> لإدريس شرايبي، هذا نصّه :
<<ليكنْ قبرنا عميقاً، حتّى لا نسمع لا الشتائم ولا ندءات الاستغاثة لأولئك الذين تركناهم خلفنا>>
وقد عبّر، الصديق عبد الباسط، في حوار لي معه، عن شغفه بأعمال شرايبي قائلاً:
<<إدريس شرايبي كان نقطة تحوّل في مساري، كنت ألتهم رواياته بنهم، أتابعها كالمهووس: الماضي البسيط، خلافة مفتوحة، أمّ الربيع، ولادة في الفجر... >>
أمّا القسمان المكوّنا الرواية، فكلاهما مصدّر بمقتبس للأديب الفرنسي لاروشفوكو 1672- 1739  ، الذي لخّص دروس حياته المليئة بالخيبات في كتابه الأمثال: تأمّلات ومواعظ وأمثال أخلاقية. وقولته التالية : <<ليست فضائلنا، في غالبية الأوقات، سوى رذائل مقنّعة. >>  تدلّ على رؤيته السوداويّة. ومن أقواله اقتبس روائيّنا، لاستهلال القسم الأول من روايته : <<هناك بعض الأخطاء التي لفرط ما أُعدّ لها تلمع حتّى أكثر من الفضيلة نفسها>>. وللقسم الثاني المثل التالي:  <<تحدث في الدنيا أمورٌ يجب أن تصبح أحمق قليلاً لتجد لك منها مخرجاً. >>
وهذه المقتبسات برمتها ذات نفحة تشاؤمية، توحي بما سيسود السرد من فجائع إنسانية متصاعدة، قمّتها الانتحار، الناتج عن عدم التلاؤم مع الواقع المعيش، وعن إحساس بعبثية الوجود عميق << رمى بنفسه في البئر حتّى يتزوّج النور، حتّى يطلّق النار وهو يصرخ سعة صدره: الحقيقة قمّة، التاريخ حمّى والإنسان أعمى>> (ص: 152)
ومعمار الرواية الفنّي مشكّلٌ بدقّة، تعرب عن تمكّن من صنعة السرد. فقد وظّف الكاتب تقنيات سرديّة عديدة، من تلك التي أشاعتها <<الرواية الجديدة>>. فرواية <<روح شرّدتها الرياح>> قسمان، الأول وهو الأكبر، عنوانه <<شروق>>، والثاني <<غروب>>. والسارد فيها صوتان. يستهلّ الأوّل الحكي، في المقطع الأول من القسم الأول، المعنون ب<<حديث الرياح: تعتيم.>>، هكذا: <<حملته الرياح إليّ، وضعته بين يديّ ونأت. أوراقه من النوع الرديئ، بالية صفراء غير مخطّطة.>> (ص: 13) ،  ثمّ ينسحب تاركاً مجال الحكي للذي انبعث من أوراق ذلك الكتاب: <<فِقرةً بفقرة، سطراً بسطر، جملةً بجملة، حرفاً بحرف، هذا ما قاله>> (ص: 14)، ولا يطلّ  إلاّ إطلالةً خفيفة ، قائلاً: <<لستُ هنا لأشوّش عليكم، اخترتُ بمحض إرادتي أن أترك له الخطاب، لرجلنا المسكين، وأنا عند عهدي. أمّا دوري أنا فلم يحن بعد، تكلّم أيّها المسكين، ولتحمل الرياح صوتك الأسير المحموم، من بلد إلى بلد، من جيل إلى جيل إلى أبد الآبدين>> (ص: 73) ، أمّا عودته، في المقطع الأخير من القسم الثاني، المعنون ب<<حديث الرياح: إضاءة>>، فهي عودة منطقية، لأنّ السارد الآخر قد اختار وضع حدّ لوجوده الأرضي. ويتضمّن هذا المقطع النهائيّ إضاءة متعلّقة بالسارد الأوّل، أقصد الذي استهلّ السرد في البدء : <<تحرّكت الرياح،عنيفاً تحرّكت، وحمّلتني الكتاب، كتاب الرجل، وسيرة الرجل الذي وهب نفسه سعياً وراء الحقيقة. ولكن لم أنا من دون كلّ البشر؟ الأرض عامرة بالبشر، القرن الحادي والعشرون كثير العيال، فلماذا أنا؟ ربّما لأنّني توّاق إلى الحقيقة، ربّما لأنّني نسخة من نسخه التي وزّعها على الزمان، لا أدري...>> (ص: 153). من هنا، يستخلص القارئ، أنّ الذي افتتح السرد شابّ، من القرن الحادي والعشرين، ذو شخصية إشكالية <<أنا الأزمة، أنا الذات الغائبة المغيّبة، أنا الإنسان الذي لم يكن يوماً، أنا الصراع المتحلّل عبر الأزمان الذي نثرته الرياح على الأوطان>> (ص: 154) : آخر صفحة من الرواية.
أمّا مقاطع القسم الأول من الرواية: (لمسيد ـ الطفولة، ومن يدّعي أنّه يعرف أباه؟، ومذكّرات الأب، وموسى أوصالح، ومذكّرات الأب: تتمّة، وطوبى للغرباء، والريح الغربية، وعرس مأتم وخيانة: الفاجعة)، ومقاطع القسم الثاني : (الضياع والضباع، وقصر العروبة وقصر الحقيقة، ووجهاً لوجه) فيرويها السارد الثاني، بضمير المتكلّم. وهو شابّ، عازب، من إحدى قرى شمال شرق المغرب، من النصف الأول من القرن العشرين، زمن الاستعمار الفرنسي، متعلّم، ذو ميل إلى الكتابة، يعتبر الحياة قيمة عليا مقدّسة <<كنتُ أقدّس الحياة كبوذيّ لعين أو كزردتشيّ منحطّ. الحشرات الدقيقة، الطيور، الدواب، الحيوانات باختلاف صنوفها، النباتات، الإنسان نعم الإنسان، كلّ هذا، كلّ هذه، كلّ هؤلاء لايعنون لي إلاّ شيئاً واحداً: قدسية وجودهم المادّي. لا يهمّ كثيراً إن كان ما يُسحق دعسوقةً، أو يد طفل، الخطيئة جرم كبير لا يقبل الصفح>> (ص:47)، ونزعته الإنسانية الكونيّة  منعته من الإجهاز على أحد أعدائه، وأعداء وطنه، من جنود الاستعمار الدمويّين، وأفضت إلى نعته بالخيانة، ولفظه من دوّاره، لتزداد غربته، فيعتزل الناس، ويلوذ بالأحلام، ولن يجد إلاّ الانتحار لأزمته خلاصاً.
ومن التقنيات الأخرى التي وظفها روائيّنا، في المقاطع المشار إليها: استرجاع الماضي (مقطع لمسيد ـ الطفولة، مثلاً)، واستشراف المستقبل <<اليومية تشير إلى 2507 بعد ميلاد المسيح>> (ص:94)، و<<كلاّ ليست قصيدة عهد الخلفاء، وإنّما قصيدة عهد الملوك والأمراء، قصيدة ألفين وخمسمائة وسبعة>> (ص:109)، والتلاعب بالزمن، من مثل المزج بين الحاضر والماضي، وبين الحاضروالمستقبل، أمّا تلخيص الزمن فلا تخلو روايةٌ منه. ومن التقنيات المرتكز إليها، في هذا العمل الدقيق، المونولوج، والبورتريه، والحوار الذي وظّف فيه الكاتب العامية، أحياناً: <<أنت رواح لهنا>> (ص: 19) للإشارة إلى بيئة محدّدة،  ووظّف الفصحى، عموماً. كما لجأ إلى الفرنسية، التي أوردها بحرفها اللاتيني، وأتبعها مترجمة إلى الفصحى، كما في الحوار الوارد، في المقطع  المعنون ب<<وجهاً لوجه>> (ص: من 126 ـ 140)
ومن التقنيات السردية الموظّفة، أيضاً: المذكرات والرسائل، كما يتجلّى، من عنوان مقطعين من مقاطع الرواية: مذكرات الأب، ومذكرات الأب: تتمّة. وتقنية الحلم، كما في مقطع <<قصرالعروبة، قصر الحقيقة>> (ص: 93 ـ 117).
وقد لجأ مبدعنا إلى التراث السردي الشعبي فوظّف حكاية <<موسى أو صالح>>(ص:43 ـ 47) و(69 ـ 70): <<هذا الرجل التوّاق إلى الحكمة، قام يوماً بتجربة فريدة، أمسك نملة فحبسها، ووضع لها حبّتي قمح، وبعد مضيّ سنة تفقّدها، فاكتشف أنّ النملة، طيلة سنة، لم تأكل سوى حبّة واحدة من حبّتي القمح اللّتين وضعهما تحت تصرّفها>> (ص: 44). وبتوظيف هذه الحكاية الشعبية، يكون روائيّنا، قد زاد  منجزه السرديّ فنّية وتشويقاً، وأسهم في تخليد تلك الحكاية، علماً أنّ الفرنسيّ رونزيو قد دوّن نص هذه الحكاية كما روي له، بالأمازيغية، مترجماً إلى الفرنسية، في دراسته عن اللهجات البربريّة لبني يزناسن والريف وصنهاجة السراير، الصادر من باريس سنة 1932.( لحكايث ن موسى أو صالح ـ ص: 158 ـ 161)
كما عزّز روائينا المقتدر بناءه الحكائي باستغلال الموروث الديني استغلالاً فنياً، بخاصة الحديث النبوي، ويتجلّى ذلك في المقطع المعنون ب<<طوبى للغرباء>> الذي أورد فيه نص حديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم : <<بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء، قيل من هم يا رسول الله. قال: أناس قليل في أناس كثير>>.
كما استفاد روائينا من الأمثال المأثورة عامية :<<اخبش تجبد لحنش>>، وفصيحة: <<أغدر من غدير>>،و<<شُبْ شَوْباً لك بعضه>> الذي يضرب في الحثّ على إعانة من لك فيه منفعة، و<<ما بني على باطل فهو باطل>>، و<<لا تخرج النفس من الأمل حتّى تدخل في الأجل>>.
كما لم تخل هذه الرواية الجيدة من توظيف لأعلام من الحضارة العربية ـ الإسلامية: صلاح الدين الأيوبي، وطارق بن زياد، وأبو العلاء المعري، وحيّ بن يقظان، وعبد الله بن المقفع. وقد تأنّى السرد مع هذا الأخير، لما له من رمزيّة، فهو الأديب الأريب، النزّاع إلى العقل، والذي انتهى مقتولاً قتلةً بشعةً، والذي خلّدته فصاحته.
<<طبعاً قرأتُ لابن المقفّع
وضممتُ قروحه لقروحي
طبعاً قرأتُ آهات القلب المفجَع
عُدْ بزمنه الغابر المتمنّع
وضمّن جراحه الطاهرة جراحي
ارفع صوتك وصوتي غير المسموع
وردّدْ صداهما في كلّ الضواحي
فلتسِل مياهنا كالينبوع
ولتمتدَّ قطراتها إلى اللسان المذبوح>>
(ص: 109 ـ 110)
هذه التراكيب الشعرية، يشي محتواها بالآصرة التي تربط ابن المقفع بالشخصية مدار الحكي في رواية <<روح شرّدتها الرياح>>، كما تشي بشاعريّة الصديق عبد الباسط، الذي أتوقّع أن يفاجئنا، يوماً ما، بديوان جميل.
تلكم رحلة مع رواية <<روح شرّدتها الرياح>> حاولت مقاربة العالم السردي الذي أنجزه، باقتدار، مبدعنا الغالي عبد الباسط زخنيني، بفضل موهبته وثقافته، ودربته الكتابية. وفي انتظار جديده الإبداعي، أشدّ على يده بحرارة، تقديراً لموهبته وإبداعيته. فهنيئاً له، ورعاه الباري عزّوجلّ.
وختاماً، أشكر لكم، أيّتها الفضليات، أيّها الأفاضل، حسن إصغائكم، وجميل صبركم. ولكم المودّة والتقدير. والسلام.

من اليسار إلى اليمين
مرزوق تريفيت، محمد العتروس، عبد الباسط زخنيني،جمال الخلاّدي، محمد جرّادي
المركز الاجتماعي للقرب ـ بركان
 19 يوليوز 2013


جمال الخلاّدي

24/06/2013

مد الكلام في ديوان مد الكلام جزر السكون للشاعر الحسن زروقي

نصّ مداخلة ألقيت في حفل توقيع ديوان : مدّ الكلام جزر السكون، يوم 02 يونيو 2013، ضمن أنشطة الملتقى الوطني الأول للشعر، الذي نظّمته جمعية  أبركان للثقافة والتراث


مدّ الكلام جزر السكون
شعر
 الحسن رزوقي
 لوحة الغلاف : محمد سعود
منشورات ديهيا : 6
مطبعة الجسور  وجدة
الطبعة الأولى 2013



وبعد ديوان أوراق مصلوب اشتهى العشق ها هو الشاعر الحسن رزوقي يطلع علينا بديوان جديد وسمه ب : مد الكلام جزر السكون ويضم اثنتين وثلاثين قصيدة يبدو فيها شاعرنا أنه ماض في خوض غمار كتاباته الشعرية مؤمنا بأنه يكتب داعيا إلى تقديس الكلمة النبيلة الشاعرية فالكلمة لديه لا ينبغي أن تبقى حبيسة الحناجر وإنما لا بد لها من البوح لا تغير في هذا العالم المتقلب إلا من خلال الكلمة .
جملتان اسميتان مركبتان تركيبا إضافيا استوحاهما الشاعر من مد البحر وجزره وخير الاشعار حين إلقائها ما كان مدا ..وجزر السكون نقيض المد وهي دعوة من الشاعر إلى نفض غبار الصمت والتواكل والأنانية والانخراط في مد الكلام الذي يعقبه مد الفعل الذي يغير العالم ومجرى التاريخ 
والمد من معانيه المساعدة والعون والفيض ومعناه الفونيتيكي :في علم الأصوات :إطالة الصوت بأحد حروف المد : و-ا-ي والمد والجزر يحيلان على الصراع وغن الحياة مبنية أساسا على المتناقضات.
ولعل الناظر إلى ديوان الحسن يجد ه ينسج خيوطحقوله الدلالية والفنية ممتدة على قرابة 105 من الصفحات ..قصائد حافلة بالعطاء الشعري المتدفق عاطفة ..تختلف عوالمها التخييلية عبر محطات ضمن خط زمني يمتد من الثمانينيات زمن الرصاص كما ينعته البعض وينتهي الى 2012..
يستهل الشاعر ديوانه بفاتحة مد الكلام التي يفصح فيها عن أن الكتابة لديه ليست مجرد تسلية بل هي هوس وهم وأنه يكتب باسم قوافل التحرير بالسم الفقراء والشهداء..يقول في ص7 :
أكتب باسم كل الشهداء 
اكتب فالكلمة تعلو سطح الماء
اكتب بالكلمة يعرف موطن الداء
اكتب أو احتضر..مت أو غير مجرى القدر..
والديوان يتمحور حول ثالثة محاور أساس : الكلمة / السؤال –الفعل /الالتزام – النصر/ الحرية
كما نلمس الحزن و القتامة والمرارة أحيانا وهي نابعة اساسا مما يعيشه الشاعر ويعانيه كل مثقف واع حال هذه الأمة وما تشهده من نكسات ونكبات متتالية من قمع واضطهاد وتشريد و...ولعل قصيدة ملاحم العرب في عواصم الطرب في عواصم الطرب التي تعبر عن زمن الحصار الصهيوني على بيروت حيث قاتلت المقاومة الفلسطينية واللبنانية جنبا إلى جنب وسطرت أروع الملاحم بينما كانت بعض الأنظمة في مصر وسورية تتغنى بنصر أكتوبر المزيف وتبعث الشباب العربي إلى أفغانستان يقول في ص:19 :وجوه تشرين تبخر ماؤها ..سقطت أنيابها..وأصبحت كالأقفاص..ثوب تشرين أصبح أطمارا لقد مزقه الرصاص..حزيران يا شهر النكسات ..
هذه المرارة التي يعيشها الشاعر يعتصرها لنا في كأس علقمي يتقاسمه معنا لنذوقه معه عبر قصائد النكبة والنكسة ..
اما صورة المرأة عنده من خلال قصيدة :خمرية العينين فإنها تمثل قيم الجمال والطهر والنقاء والشاعر لا يدري بالضبط هل هي مخلوق من لحم ودم أم هي كائن نوراني افتراضي يقتحم عليه وحدته وخلوته ويبدد وحشته ويعشش في كوامنه وثناياه يقول :ص 22 :من أنت ؟أامرأة أنت تدين لها القلوب وتنحني الأمكنة ..خمرية العينين من أنت ؟أامرأة أنت أم فكرة تنتابني في الظلمة الداكنة ؟
فبراير : هذه المرة يتغنى فيها الشاعر بليلاه محتفلا بعيد ميلادها كما لو كان عيدا قوميا والكائن الافتراضي أصبح امرأة يتمنى الشاعر لقاءها منتشيا بالاحتفال بميلادها :
ادخل وأجل العتاب..فباب بيتنا بلا حجاب ..أقبل شباط فعيون ليلى في انتظارك أعلن ميلادك ودعنا نتقاسم فرحة انتصارك .ص : 27
أما في قصيدة : أصدقائي ففيها دعوة صريحة لنبذ الخلافات بين القوى الحية في البلد وخارجه للاتفاق على مشروع نهضوي تحرري يعترف بحرية الفكر :/فساحة الأكوان وحرية المعتقد : /سماحة الأديان وبحرمة الكائن  كرامة الإنسان..ثم ما يلبث الشاعر الحسن رزوقي ان يبين قيمة السؤال في معادلة التعلم في قصيدة : وصايا وليس ذلك غريبا لان شاعرنا خبير بقضايا التعليم ومفتش في حقله .
والسؤال فاتحة التعلم وفي التنزيل : يسألونك عن ...والحلم خزائن مفاتيحها السؤال كما ورد في الحديث والشاعر هنا يوصي طفله بالسؤال بالعتباره بوابة إلى المعرفة يقول في ص :33 : :
اسأل يا طفل ولا تخجل ..ما قيمة إنسان ..يحيى كالحيوان ؟.
قصيدتا : أيار نجمة تصبان في نفس الغرض الذي يتجلى في اقتسام الشاعر فرحته مع العمال بمناسبة اليوم العالمي للعمال .اما قصائد :أربع وريقات وباب ما جاء في الحجر وحارسة البقاء فهي تتناول القضية المركزية لدى كل عربي ومسلم :القضية الفلسطينية والإشادة بالمقاومة الصامدة وحارسة البفاء هذا عنوان استوحاه الشاعر من قولة الشهيد ياسر عرفات : المرأة حارسة البقاء والتي ترمز إلى المراة الفلسطينية المقاومة المنجبة للأبطال وتحرس الثورة متمسكة بالأرض ..يفول في صفحة 59 : 
قومي للأب المتعب ..
لطفل آت وفي يده حجر ..
لوطن أقسم أن يتذكر..
لوطن أقسم أن يتحرر.
والقضية الفلسطينية تحتل في وجدان الشاعر منزلة مركزية ..ومن أجمل قصائده أيضا : قصيدة طائر التي ضمنها حوارا بين طائر يومن بقيمة العدل والشاعر وينتهي الحوار بأمنية للشاعر أن يصبح من رعايا مملكة الطير التي تقدس قيمة العدل :
يا معشر الطير هذا شاعر يهفو كالطير
يغني كالطير لمملكة الطير
فامنحيه تأشيرة دخول ..ص: 48 
ثم سرعان ما يعود الشساعر الى أشواقه ومنولوجاته الداخلية في نصين عن العشق والجمال ..الأول بعنوان : دعوة يصف فيه لهفة الانتظار لمحبوبته والثاني :من شرفتي ..يصف فيها المرأة المعشوقة من خلال شرفة بيته وصفا معطرا بالندى الذي يسرق الهمس من شفتيها ويتحول جمرا فوق الثلوج فيحرق في لظاها :
من شرفتي أراك
تمشين ثابتة الخطى بين المروج
والشمس تسير في خطاك 
من شرفتي أراك
يسرق الندى الهمس من شفتيك
يتحول جمرا فوق الثلوج
يصيبني ..فأحرق في لظاك ..ص 56.
يستلهم الشاعر هذه المرة تاريخنا العتيد موظفا خطبة طارق بن زياد في قصيدة رائعة سماها :خطبة منسية لطارق منسي موجها خطابه الى الذين يشتغلون في صمت من أجل أهداف سامية إبداعية ثقافية وحقوقية وغلى المدرسين دون ان تعلن عن ذلك وموضوعها يشي بذلك ..يقول : نبي يحقق حلم الصبيان ..نذرت نفسك للشطآن البعيدة ..زادك الصبر وسلاحك العرفان .. لا تعاويذ بعد الفجر ولا صكوك الغفران..لا تمائم لا طلاسم ولا دعوات كهان ..
ولعل قصيدة : معلمي من أروع ما كتب حيث يهديها إلى كل المعلمين ويريد من خلالها أن يرد الاعتبار لأشخاص أفنوا حياتهم وزهرة شبابهم في تهذيب الناشئة وتنكر لهم المجتمع إلى درجة أن كلمة معلم تعني لديهم كل شيء ما عدا العلم. ومما يميز هذه القصيدة أنها تجمع بين الأزمنة الثلاثة : الماضي :- يسألنا عن الأسماء والأفعال..الحاضر :- أبحرت سفينة نوح وسفينتنا يلزمها بعض الوقت كي تبحر..يلزمها بعض الألواح.المستقبل :-استعد لرحلة الألف ميل أيها الربان ..انطلق لرحلة الضوء وانقل الصبيان ..ص 92
وينسحب الشاعر من الالتزام السياسي إلى موضوع محبب إلى عقله وقلبه : تيمة العشق حين يتحدث عن حبيبة لم تزره كما وعدته تاركة الشاعر في عذاباته وآلامه .وهذا ما نلمسه في قصيدة عتاب ص67 وفي قصيدة نوستالجيا ص72 نجد حنينا قويا جارفا إلى حياة البساطة حيث كانت الجدة عضوا أساسا في تشكيل وعينا وخيالنا من خلال ما تقصه من حكايات قبل أن تنحي الشاشات الجدات من هذا المركز فيصبحن هن أيضا من المدمنات على التلفاز يقول:
كل مساء ..حين تنطفئ الشموع في بيتنا ويختفي الضياء ..بعد أن تنفد من صحن جدتي آخر ملعقة حساء..آخر رشفة شاي .. وبعد الصلاة والدعاء ..تخرج جدتي من ذاكرة السنين أساطير لا تملأ البطون ..لكن تروض الجفون .
حروب لا تنتهي: يقف الشاعر ضدا على الحروب التي تهلك الحرث والنسل مخلفة ضحايا وعطوب لا حصر لها وفي المقابل هناك من يستفيد من هذه الحروب من تجار الأسلحة وعباد النزوات الرعناء و دهاقنة تجارة القتل ..ومن القصائد التي جاءت في آخر الديوان :ربيع الفتى الحالم يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي حين يحلم الناس بفجر جديد لا يأس فيه ولا قنوط حتى تسترجع الأمة ريادتها ورسالتها ..وتخر الأصنام تعلو هامة البحر ويبتسم الغمام ص: 100 .
ومن أجمل قصائد الديوان :تلك التي تناولت الحديث عن البيئة المحلية لمدينة أبركان بين أمس أخضر يانع جميل حين كانت أشجارها أكثر كثافة من سكانها ويوم قاحل ذابل لا نرى فيه غير الإسمنت والحجر والحديد وزحف عمراني صارخ يشوه منظر : للبراكين حمم خضراء ولبركان الشاعر بحقولها الخضراء تغذيها الأنهار النابعة من جوف جبال بني يزناسن لكن الأمر ما عاد كما كان ..يقول : أصبح البرتقال كسيحا
بلا ورق بلا زهر ولا سيقان
زال عبق المروج
زحف الإسمنت
وعمت كآبة الجدران..
الصورة الشعرية :نسج الشاعر قصائده بخيوط طبيعية إنسانية موظفا عناصرها كالبحر والجبل والسهل والزهر والماء ..فلا تكاد تخلو قصيدة من ديوانه من لمحة تستند إلى الطبيعة ولا غرابة في ذلك لأن الحسن ترعرع بين أحضانها .
الرؤية الشعرية :ونقصد بها النظرة التي تبلورها القصيدة عن العالم وعن الحياة والعلاقات الإنسانية ككل وهي أيضا متصلة بالوعي وبالوجود تنبع من العقل وترجع إليه ومتلونة بالعواطف النبيلة الصادقة وتتمركز حولها وتتزيا بالخيال الجميل وهي تقوم بالأساس على رفض الواقع والحاضر المزري مستشرفة عالما طاهرا حرا عادلا سعيدا وليس هناك ملاذ أرحب من أجل تحقيق هذه الاحلام سوى مد الكلام ..كتابة الشعر ..
على المستوى الشكلي :استعمل الشاعر الايقاع الداخلي والجرس الموسقي المتكرر أحيانا متخلصا من الجزئية إلى الشمولية كما ضمن بعض قصائده آيات القرآن الكريم : لا تنفذون إلا بسلطان ..ملونا خطابه بين المتكلم و المخاطب والغائب في جمل اسمية تارة وفعلية أخرى لكنها تتميز بالقصر والإيجاز والتكثيف مما يزيدها تألقا وجمالا .
والديوان كوحدة هندسية كاملة في تشكيل البناء والجمال ينشطر على هندستين تكملان بعضهما وتشتركان في أدق التفاصيل منذ حفريات النص واللبنات الأولى على آخر نقطة ضوء قي جمالية الإخراج والإبداع بشموليته والديوان ببنائه ومعماريته يتجلى في وسطية النفس الشعري وجمالية المعنى واستثمار الواقع والوجدان والشعور الداخلي استثمارا موفقا ذكيا مبنيا على هندسة المعاناة وقوة العاطفة تستهدف المتلقي لتثير فيه كوامن الاستنهاض مستهدفا أيضا جملة من الاعتبارات تتصل بمفاهيم الانتماء لهذا الكون وللأمة وللمغرب ولأبركان ولعل الترتيب القصائدي لديوان مد الكلام جزر السكون يتدرج من العام إلى الخاص..وهنيئا لشاعرنا بمولوده الثاني الذي أضاف إلى مكتبتنا العربية رصيدا ثقافيا شعريا جديدا وجديرا بالقراءة ..
أكتب أيها الشاعر الحسن الصديق الغالي ومد كلامك عشقا وشوقا ولوعة يا شاعر الجلنار وبشعرك العذب يزهر الجلنار ويثمر رمانا سفريا حلوا لذة للىكلين وبشعرك تينع الكروم لابسة ثوبها السندسي الأخضر ويزهر البرتقال ويثمر آنئذ ستنعم بوصال خمرية العينين .. 


عبد العزيز أبو شيّار


16/03/2013

قراءة في ديوان "شظايا الانكسار" للمبدعة السعدية الفضيلي



1-
"إن الشاعر هو هذا الذي يضحي بنفسه ليدع السؤال مفتوحا" يقول موريس بلانشو Maurice Blanchot.  و من الأكيد أن السؤال الذي يحرص الشاعر على أن يظل مفتوحا يأخذ مسارات متنوعة و اتجاهات مختلفة و من دون ذلك لن يظل مفتوحا، و لكن ما العلاقة بين أن يضحي الشاعر بنفسه و بين أن يظل السؤال مفتوحا؟
  جواب ذلك في اعتقادي، أن الشاعر لا يمتلك اليقين في المعنى الذي سيصل إلى القارئ، كما لا يمتلك السلطة الكلية على كافة العناصر التي يتكون منه النص الذي أنتجه، و لا يتحكم في طبيعة الأثر الجمالي المتوقع حصوله في المتلقي. فليس من شأنه أن يقدم الإجابات النهائية اليقينية الكفيلة بأن تمنح لأصحابها السطوة على الناس.
  لذلك يبقى السؤال مفتوحا لدى الشاعر إزاء النص الذي أنتجه هو نفسه ، كما يبقى مفتوحا عند القارئ إزاء النص الذي اختار أن يقرأه. و في اختيار النصوص التي نقرأها يقول أدونيس: "كنت دائما و لا أزال أكثر ميلا إلى قراءة ما يمكن أن يدلني على الشرار الذي بدأ يترمد في داخلي، و على ذلك الذي يتوهج في الخارج" بهذه العبارة لا ينبغي أن يكون الشاعر حارسا لباب السؤال فحسب، بل دليلا إلى ما يبعث في رماد الأرواح جذوة الحياة و مرشدا إلى مكامن الأمل في الواقع المعيش. لذلك عندما قرأت عنوان الديوان "شظايا الانكسار" استحضرت ديوان نازك الملائكة "شظايا و رماد" الذي ألفته عام 1949، و لم أدرك في الوهلة الأولى أنه عنوان مخادع، فقد اكتفيت بتفسير سطحي له إذ اعتبرته من الكلام النثري العادي الذي لا يكاد يتجاوز معناه الحسي المباشر، فكل شيء ينكسر سواء كان زجاجا أو حطبا أو غير ذلك تتطاير منه كسارات و شظايا مختلفة الأحجام. و قارنت هذا مع مقدار ما يبذله كثير من الشعراء المعاصرين من جهد في اختيار عناوين لدواوينهم حتى تكون واجهة لماعة تغري القراء باستطلاع ما بداخلها. خلصت دون تريث إلى أن هذا العنوان عتبة سهلة المرتقى، و لكني بعد الاطلاع على النصوص التي يضمها الديوان استخلصت منه درسا هو أنه لا يجب الاكتفاء بالوقوف عند العتبات. فالعنوان برغم بساطته الخادعة يسمح بصوغ عدة فرضيات تتعلق ببناء معاني النصوص الشعرية التي يضمها الديوان، فما هي طبيعة الانكسار في هذا المقام؟ و ما نوع الشظايا الصادرة عن هذا الانكسار؟ و هل  هو عنوان نص من نصوص الديوان استفرد بها اختيار المبدعة على نحو ما يقوم به كثير من الأدباء و الشعراء، فعلى سبيل المثال الديوان الذي أصدرته نازك الملائكة سنة 1947 يحمل عنوان إحدى القصائد التي يضمها الموسومة ب "عاشقة الليل".  
  لا يتعلق العنوان في مقام هذا الديوان باستعادة اسم أحد نصوصه بقدر ما يتعلق بتحديد السمة العامة التي تتصف بها هذه النصوص عموما و هي سمة الانكسار بما يفيده من معان مختلفة مثل الهزيمة و الاستسلام و الاستلاب و الاحباط و تحطم الأحلام و الآمال و اليأس و الكآبة. فالعنوان المصوغ هنا على مستوى اللغة، في شكل مركب إضافي يميل عادة إلى حذوه كثير من الشعراء لصياغة عناوين دواوينهم  ("رياح النور" لأحمد اليعقوبي، "لعنة باخوس" لأحمد بلقاسم، "أوتار النزيف" لعبد العزيز أبو شيار) ، يتكون من عناصر حسية تتولد عنها دلالة غير حسية. فالانكسار في هذا السياق لا يدل على شيء مادي تكسر فصار شظايا بل على كيانات و حالات إنسانية تعاني خيبة الأمل و مرارة الهزيمة. و من أمثلة ذلك في الديوان النصوص التالية:
1-   مدينة حزينة: يعكس انكسار الذات  الشاعرة  التي كلما عادت إلى مدينتها تنكرت لها و لفظتها، فقد تغيرت ملامح هذه المدينة و صارت إلى القبح و البشاعة أقرب بعد أن هجرتها الخيول و السيوف و الأقلام و سبيت فيها النساء.(ص:10)
2-  ملحمة الحجاج: يظهر هذا النص على نحو مفارق لهذا العنوان نفسه  ملحمة أخرى حقيقية تتعلق بالمناضل المعتقل الذي يشبه في هذا السياق بالمسيح في معاناته و انكساره.(ص 14)
3-  سقوط الخيل: يعبر هذا النص عن الحرقة الناجمة عن اغتيال و استشهاد فئة من المناضلين اليساريين المغاربة تحت التعذيب أمثال عبد اللطيف زروال الذي اغتيل في 14 نونبر 1974 و أيمن التهاني الذي استشهد تحت التعذيب في سجنه بتاريخ: 6 نونبر 1985 (ص 21)
4-   سيزيف: الذي يعكس حالة الشعور بالعبث و الرتابة و الاستلاب بفعل الحصار و المراقبة القرادية التي "تطل علينا مع قهوة الصباح" حتى تصبح فعلا آليا نمارسه على ذواتنا كأنه أمر نابع من أنفسنا. (ص24)
5-  "الموعد الواحد" ، "مغتصب" ، "منفية"، "بنت الهوى"، "انطفاء"، "تهمة" : تعبر هذه النصوص جميعها باشكال متفاوتة ، عن انكسار ذات المرأة في علاقتها بالرجل الذي يخضع في هذه السياقات كلها إلى نموذج وحيد
و أوحد هو نموذج "شهريار"،. و لتواتر هذا النموذج في هذه النصوص كلها بشكل ملفت للنظر، قد يخلص القارئ إلى استنتاج أن الديوان يكرس صورة مزدوجة عن الرجل، فهو خارج العلاقة مع المرأة يكون المناضل الذي يتحمل التعذيب في السجون دون استسلام و يكون المسيح الذي يتحمل الصلب  من أجل الكرامة و الحرية و يكون العامل المنجمي الذي يرفض الانسياق مع القطيع الخانع ليمارس "طقسه الخاص في اختراق الوجود"،
و لكنه بمجرد ما يصير  طرفا في العلاقة  بالمرأة، يصبح مغتصبا و وغدا و شهريارا تملأ قلبه القسوة و الخيانة.
6-  عرق: يصف هذا النص معاناة عمال المناجم: " آت من بطن مغارات/ نهشت فيه/ آخر عظم/ و آخر جلد" (ص 39)
7-  عيون منكسرة: يعكس هذا النص انكسار الطفولة متجسدا في ما يعانيه الأطفال من كبح لطاقاتهم المتوثبة و قمع لما تحبل به قلوبهم من فرح
و براءة.(ص 61)
8-  وطن متعب: يحمل هذا النص صورة قاتمة عما يعانيه الوطن من الانكسار بسبب خيانة أبنائه و جبنهم و كسلهم.(ص 72)
لا يكتفي الديوان بجرد مظاهر الانكسار في المجتمع من خلال النصوص التي تم الاستشهاد بها، و لكنه يفتح من خلال هذه النصوص نفسها آفاقا للخروج مما يعنيه هذا الانكسار من يأس و انسداد، بحيث يصير الشعور بالانكسار دافعا للتحدي و المقاومة. و هكذا يصبح الانكسار مصدرا لشظايا ملتهبة قد تؤذي من يعترضها وأنوار ساطعة قد تعمي من يواجهها. و بتعبير نزار قباني " ومن الجرح تولد الكبرياء".
تأكيدا لهذه الفرضية يمكن الاستشهاد ببعض النصوص من الديوان، ففي "مدينة حزينة" تكون الهجرة بمثابة احتجاج على موت المدينة. و في "ملحمة الحجاج" تعجز سياط التعذيب أن توقف انطلاق الروح و شعورها الجامح بالحرية
و الانعتاق. و في "الموعد الواحد" لا يستطيع استجداء الحب أن يمحو آثار الخيانة.و في "عرق" يولد عامل المنجم من رحم الاستغلال ولادة جديدة ليصنع تاريخه دون الرضوخ لأي طقس من طقوس القطعان البشرية المستسلمة.
أما الانكسار الذي تشعر به الذات الشاعرة بما يعنيه من "تعب الروح"  و أرق و حزن و دموع و أوهام، فلا يخلصها منه إلا الشعر، فهو "مخبؤها السري" و هو "الجنون الجميل" الذي يحررها، بل هو مبرر وجودها الذي يمنحها هويتها و الأمل في "عمر آخر" تتجاوز به عمرها الحقيقي: "استفيقي قصيدة تمتد بين الأرض و السماء"
2- تقول الناقدة يمنى العيد في كتابها "في معرفة النص" (ص 105) عن الإيقاع الداخلي الذي يميز القصيدة الحديثة عن القصيدة الكلاسيكية (العروضية) أنه" حركة تنمو و تولد الدلالة". لا تتحكم هذه الحركة التي تتسم بالتوتر المتصاعد في النص الواحد فحسب بل تتعداه إلى الديوان كله، فهي ليست حركة مستقلة تختص بنص واحد تقيده قافية واحدة و ووزن عروضي واحد، بل هي حركة متحررة من كل إكراهات موسيقية خارجية. لذلك فهي حركة تولد الدلالة على مستوى النصوص كلها دون الاقتصار على دلالات نص واحد. هكذا يمكن أن نعتبر ديوان "شظايا الانكسار" قصيدة واحدة متشظية إلى عدة عناوين صغيرة، فإذا أنت قرأت الديوان دون أن تقف عند تفريعاته الصغيرة، قد لا تشعر أن هناك حدودا بين هذه النصوص، فهي تتدفق في مجرى واحد قد تتنوع منعطفاته و لكنك لن تحس بأنك نزلت من المركب. هكذا يمكن أن نعتبر أن الديوان على مستوى الشكل عبارة عن قصيدة واحدة تنكسر فيها الأوزان الخارجية لينتج من ذلك الانكسار شظايا متناثرة تختلف من حيث الطول هي هذه النصوص التي تتصدرها عناوين صغيرة. بيد أن هذه القصيدة المتشظية تمتد خارج كل زمان و مكان فهي فضلا على أنها لا تشتمل على أي اسم قد يدل على شخصيات بعينها لا تشير إلى أي مكان قد يرسم حدود النطاق الجغرافي التي من شأنها الزيادة في قوة التأثير على المتلقي (باستثاء الإهداء الذي يتصدر النص "عرق" الذي يعد عنصرا خارج-نصي paratextuel)، كما لا تشتمل على أي مؤشر يتعلق بالإطار الزمني الذي من شأنه أن يفيد في بناء الدلالة بشكل عام.
أما اللغة التي تتحدث بها هذه القصيدة بنصوصها المختلفة، فهي لغة يخبر سطحها عن عمقها، فهي واضحة سافرة دون أن تكون متبرجة أو محتجبة. هي إذن لغة مروضة ومسيجة بالحيطة و الحذر و لا تترك للممسكين بالسلطة السياسية الفعلية و لا لحراس الأخلاق أي ذريعة لهدر دمها.
3- المرأة و المرآة: في كل كتاب لاشعور مختفي و منفلت من سطوة مؤلفه. ذلك ما يفسر صورا و عبارات و أوصاف و مواضيع تتواتر في كتاب في غفلة من صاحب الكتاب.  في هذا السياق لفت انتباهي في الديوان تواتر حضور المرآة في بعض نصوص الديوان. و لكنها مرآة من نوع خاص فهي لا تعكس كل حالات الكائنات و الأشياء، بل هي مرآة منحازة لا تعكس سوى القبح. و لتأكيد هذه الفرضية يمكن الاستهاد بالأمثلة التالية:
- في "ملحمة الحجاج" وردت العبارة التالية: "يسألون/ تكلم/ لماذا تعلق مراياك/ حيث نرى قبحنا؟" فالمناضل في هذا النص يفضح أجهزة الاستبداد و القمع ربما بمقالاته أو كتبه أو بغير ذلك من الوسائل بما يشبه المرايا التي تعكس بشاعة هذه الأجهزة.
- في "مغتصب" وردت العبارة التالية: "وحش كاسر/ يلتف حول أنوثتها/ يرى قبحه/ في مرآة روحها". ففي هذا السياق تصبح الأنثى مرآة يرى فيها الرجل المغتصب "وساخته".
-  في "منفية" ترد العبارة التالية:" تكسر مرآتها...تصالح مرآتها" فالمشكلة هنا بالنسبة للمرأة التي تحس بالنفي هي المرآة التي تعكس استلابها.
- في "تهمة" ترد العبارة التالية: "كسرت مراياه في وجهه"، حيث تعكس المرآة في هذا المقام غرور الرجل و نرجسيته و لكن أنثاه المتمردة تكسرها بما يظهر ضعفه و عجزه.
هناك موضوع آخر يتواتر في النصوص بنسبة مهمة هو "الليل" أترك للقارئ فرصة تتبعه في هذا الديوان.
4- في التناص:
يقول موريس بلانشو « Ecrire c’est récrire »يمكن ترجمتها كالتالي" أن تكتب هي أن تعيد الكتابة".
ويتساءل أدونيس: " أهناك حقا بداية من لا شيء؟ أم أن الأصح هو أن يقال: لكل بداية بداية؟" و يرجح القول: "ليس هناك في الثقافة بداية مطلقة. و ما نسميه أحيانا "بداية" ليس إلا امتدادا لما سبق و متابعة. ليس إلا توالدا و تنويعا و تأليف".
ما يسمح بالحديث عن التناص في هذا الديوان هو  النص "طقوس" المهدى إلى روح الشاعر نزار قباني، بما يوحي بأن هناك صدى و حوارا مع أشعار هذا الشاعر العربي الكبير في قصائد الديوان فضلا عن التوازي الملحوظ بين عنوان ديوان نازك الملائكة "شظايا و رماد" و عنوان الديوان موضوع هذه القراءة "شظايا الانكسار".
 يعني مصطلح "التناص" في نظر خليل الموسى (نقلا عن كتاب "التناص في الشعر العربي الحديث" ص 29) " تشكيل نص جديد من نصوص سابقة أو معاصرة تشكيلا وظيفيا، فيغدو النص المتناص خلاصة لعدد من النصوص التي امحت الحدود بينها" و يقصد بالتشكيل الوظيفي هنا الامتصاص و التحويل و المحاورة بالرفض أو الموافقة. و تمثيلا لذلك من الديوان سأكتفي بما يلي:
- في النص "الموعد الواحد" يمكن الافتراض بأن هناك صدى لأحدى قصائد نزار قباني عن طريق معارضته. يقول نزار قباني من قصيدة عنوانها "اغضب"
"اذهب إذا أتعبك البقاء
فالأرض فيها العطر و النساء
و عندما تحتاج كالطفل إلى حناني
فعد إلى قلبي متى تشاء
فأنت في حياتي الهواء
و أنت عندي الأرض و السماء"
بينما تقول الشاعرة في ديوان "شظايا الانكسار"
"عاد طفلا ساذجا
يستجدي حبا
مستحيل
الحب كالموت
يضرب موعدا واحدا"
يمكن أن نقيم توازيا بين النصين من خلال المؤشرات التالية:
ü   تشبيه الحبيب بالطفل.
ü   عودة الحبيب بعد الهجران لحنان الحبيبة عند نزار قباني و لاستجداء الحب في ديوان "شظايا الانكسا".
ü   استقبال هذه العودة إيجابيا " فعد إلى قلبي متى تشاء" عند نزار قباني وسلبيا في ديوان "شظايا الانكسار" " الحب كالموت يضرب موعدا واحدا".
من خلال هذا المثال يبرز تناص مع نص سابق هو عبارة عن حوار معارض دون أن يعني ذلك إعادة إنتاجه أو تكراره. هناك مكامن أخرى لمثل هذا التناص مع نصوص أخرى لا يتسع هذا المقام لبحثه. 


 إنجاز: الجيلالي عشـي