Affichage des articles dont le libellé est معمر بختاوي. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est معمر بختاوي. Afficher tous les articles

11/04/2013

أنا الزعيم




أنا.. أنا الزعيم الحاكم الذي ترنو إليه جبابرة نصف الكرة الأرضية، ليس لي الحق في المشي في الشوارع، والوقوف عند الكشك الصغير، وشراء ما أريد وأشتهي!!
أنا الكبير الأكبر من كل كبير، أنا المتحكم في كل أمور الدنيا.. أنا الفعّال، المِفعال، الرعديد، الصنديد، ليس لي الحق في الخروج من قصري وحدي؟ والمبيت عند أصدقائي أو صديقاتي !!
أنا محروم من شم روائح حدائقي!
أنا محروم من  الدخول إلى الحمام البلدي !  محروم من الاستلقاء على ظهري أو على بطني أو كيف أشاء ومتى أشاء!
أنا.. أنا الزعيم الحاكم، الرجّام، الراجم، الرجيم، المُطاع، المُختال، القاتل،
القتال، الجارِح، الجرّاح الذبّاح، المُراوغ، المُتبجح، المُفلق، البَتّار، القنّاص، المستأسد، الفاسد، الفسّاد، المفسد، والمستفسد، ليس من حقي أن أحمل قطعة نقدية بسيطة في جيبي مثل جميع خلق الله!!!
أنا الزعيم ليس من حقي أن أجلس مع صديق حميم في مقهى بسيط، لأنه ببساطة ليس لي أصدقاء!!  
أنا الزعيم الأكبر.. ليس من حقي المشي في الأسواق، حيث صُورٌ بالأَسْود والأبيض لنسوة يفترشن الأرض، ويبعن بَيْض دجاجاتهن! 
أنا الزعيم ليس من حقي أن ألامس أجساد الناس، وأن لا أشم عرق البسطاء الذين ليس لهم أنهار ولا أودية ولا بحار. 
أنا الزعيم الأكبر، محروم من الجلوس وحيدا تحت شجرة إذا ألمّ بي التعب، والشرب من ماء غدير، أو جرّة وضعها أحدهم على  قارعة الطريق رغبة في أجْر ربه وثوابه.
أنا الزعيم ليس من حقي الخروج  للخلاء وحدي !!
 أليس من حقي أن أتفقد أقفاص حيواناتي؟؟ وأن أزور سجون بلادي وحدي؟؟
أليس من حقي أن أؤدي فواتير الماء والكهرباء وحدي؟؟
 أليس من حقي أن أركب تاكسي صغير في يوم قائظ، وأطل من النافذة على بائع السمك، والبنّاء، والحدّاد، والدهّان، ونادل المقهى وهم يعملون؟؟
أنا أشكو همّي لشعبي لعله يفهمني، وشعبي يشكو همه لله لعله يحقق مُبتغاه.




 معمّر بختاوي

04/02/2013

تكسير افقية الانتظار وسلاسة التشويق في رواية أطفال الليل


حتى وإن تراخى الزمن، تبقى بعض الأعمال الروائية تنضح بالجدة. هي كذلك رواية الدكتور معمر بختاوي الذي يعطي للقارئ ومْضة جبارة عن فحواها من خلال عنوانها "أطفال الليل" التي صدرتْ عن دار التوحيدي للنشر والتوزيع. فهذا التركيب الإضافي الذي يشكل بنية العنوان أو عتبة النص، يجعلنا نفهمه تحت مظلة النحاة الذين أسسوا للعلاقة التي تجمع المضاف والمضاف إليه، إذ الثاني يملك الأول، والأول جزء من الثاني. يسطو الليل على الأطفال فيملكهم حتى يصير الأطفال جزء منه. هكذا نجد أنفسنا أمام رواية تمخر عُباب السرد بمنتهى السلاسة والليونة إذ لا تحتاج إلى هوامش نصية تُسعف القارئ على الفهم. كما أن الفصول لا تحمل عناوين تجعل القارئ يرسم صورة استباقية حول ماهيتها.

الليل والطفولة والاِعتصام بزمام العنوان

استطاع الكاتب في هذا النص أن ينسل من أزمة العنونة التي عرفتها الرواية العربية في محطات عِدة؛ إذ يكون العنوان على ضفة وفحوى الرواية على ضفة أخرى. وهكذا فأطفال الليل يُطلُّون على القارئ من خلال العشرة فصول التي تناثرت عليها الرواية، فالراوي لا يحيد عن الليل وأطفاله وتكالب الوقائع بينهما. فنجده –مثلا- عندما يتكلم عن موت أبيه يقول :" وتذكرت ذلك اليوم الذي توفي فيه والدي، حين كنتُ راجعا من المدرسة" ص45، والحق أن هذا ليس خروجا عن تيمة الرواية التي رسمها العنوان والتزم بها على مدار النص، فموت الأب هو الدافع الرئيس لخروجه مع أطفال الليل ليقطف الورد، وهو ما يحدده الراوي نفسه في قوله :"لو كان أبي حيا ما ذهبت للعمل في الورد" ص45  . وبالتالي لَما وُجد هذا السرد الهادئ الفيَّاض. كذلك الشأن بالنسبة للشيخ عيسى لَمَّا ماتتْ فيه روح الأبوة، فقد جعل أبناءه حسن والزبير وفريد وعبد الغني يخرجون في الليل لقطف الورد، أب ماتت في دواخله معاني الأبوة، فهو "يوقظ الأطفال وتبدأ الأسطوانة القديمة مع السب والشتم. حين يغيب يتشكل الأبناء في حلقات... وتستمر اللعبة  بين الأب والأبناء حين ينتهي الصيف" ص56. زمن تتكالب فيه الأقدار لتحرمهم من ممارسة حقيقتهم الطفولية. حتى الأب يكون في صف الزمن، بقسوته عند أبناء الشيخ عيسى أو بموته عند الراوي.
والغريب العجيب، أنه في خضم التساؤلات التي يطرحها أطفال الليل، تجد فيهم تلك الاِزدواجية الجميلة التي تجمع بين التسامح والذكاء، وهذا دليل أيضا على براءة السرد وصدقه.. فعندما يقول حسن ابن الشيخ عيسى: " قد يكون هناك من يضرب أولاده بتلك القسوة، ولكن يستحيل أن يوجد في فرنسا من يرسل أبناءه يعملون في الورد طول الليل" ص30. إنه اتهام ضمني للأبوة، دون أن يقعَ في قبضة المباشرة وبالتالي في مستنقع السب والشتم، وهذا بخلاف ما نجده في "الخبز الحافي" إذ يُرشق الأب القاسي بشتى أنواع القذف، مِمَّا ينمُّ عن طفرة أخلاقية تمَّتْ بين تعاقب الجيلين.
وهذه البراءة نفسها تنسحب على السرد في مواضع شتى من حيث شكله وأسلوبه. فهو أسلوب سردي طفولي يتناسب والضمائر المتحاورة. "سأل المختار بسذاجة: وأين تنزل الطائرة؟ - فوق رأس أمك" ص18.

صوت الجغرافيا من ثنايا السرد

يسكن راوينا شغف ما إلى اللغة الشعرية، لكن ما يلبث أن تقف أمامه أجواء الحكي حاجزا منيعاً في طريقه، تمنعه ليعود إلى لغته السردية، نجد ذلك في قوله: " تعبت من الذهاب والإياب وتوالي الأيام، كعجائز تشكو أمراضا وأوجاعا في العظام" ص14. وهذا لا يُعدُّ عجزا إذ عَدَلَ بنا من جميل إلى جميل، ليضعنا أمام لغة سردية تلامس بعض قممها حين ترسم لنا صورة جغرافية للمدينة، فهو يصف لنا منحدراتها ومنعرجاتها ومنعطفاتها بدقة متناهية لا تتأتَّى إلا لمن عَمَّر تلك الأماكن. " أما أصحاب (الموقف) فيتجمهرون في أسفل الشارع من جهة الطريق المؤدي إلى الشمال بالقرب من وادي شراعة" ص46، وهكذا يسمع القارئ صوت الجغرافيا وهي تهمس له بسيناريو تعاقب الليل والنهار والأحداث التي تخللتهما. إضافة إلى المعلومات الجغرافية الدقيقة التي يصطحب بها القارئ في صناعة السرد " كانت الساقية الكبيرة المنسابة من نهر (ملوية) الذي ينبع من الأطلس المتوسط في منطقة المسيد (قرب ميدلت)، ويجري مسافة أربع مائة وخمسين كيلومتر ليصب في البحر الأبيض المتوسط" ص26.

سلاسة التشويق

إن حقول الورد، والتي استغرقت الفصول الستة الأولى، كانت هي الإطار المرجعي لكل الأحداث التي تعاقبت. ولذلك فهو لا يوصد دونها الأبواب حتى يذكر السبب الرئيس وراء ذلك، وهو النبأ الذي كان يُطلُّ علينا من الفصول الأولى حين يقول: " كانت الأيام تنبئ بشيء سيقع، برصاص سيتدفق من كل الجهات" ص33، لقد ألقى بنا في التيه وأبدى براعته في سلاسة التشويق حين فتح قوسا ليخفف عنا حرقة الاِنتظار: "(أنا الراوي سأحكي لهم حكاية الرصاص في حينها! فلا تقلقوا…)" ص33.
وها قد آن الأوان لينجلي القلق ويروي عن انقلاب الصخيرات -الذي باء بالفشل- وتأثيره على حقول الورد: " أصبح العمل في الورد يتناقص شيئا فشيئا، والأطفال يقلّون. والورد ما عاد يتفتح كما كان" ص64. إن الاِنقلاب لم ينجح في تغيير نظام الحكم ، ولكنه نجح في تغيير نمط الحياة الذي يكتنف أطفال الليل.

طفولة بمنتهى الجُوَّانية

نقرأ في النص عبارات تنم عن مدى عمق الفطرة التي تسكن جوف الطفل. والتي تنعكس على أسلوبه في الكلام وطريقته في التفكير: "يا رب نجني من هذا الفرعون" ص26، "يا رب السموات أتقبل هذا التنكيل" ص27، "يا رب ما هذا الظلم"  ص28. إنه الخطاب الذي يموج في دواخل الطفل الذي مازالت تسكنه البراءة. ويظل هذا الأسلوب السمة اللاصقة بمسار السرد على مدار النص في مرحلته الطفولية، أما عندما يَشِبُّ فإن هذا الأسلوب يختفي تزامنا مع اختفاء البراءة.


 إدريس يزيدي


شاعر مغربي مقيم في بلجيكا

12/11/2012

دم الميت ـ قراءة في رواية : المطرودون لمعمّر بختاوي



" دم الميت "
       قراءة في رواية ـ المطرودون ـ لمؤلفها الدكتور "معمر بختاوي"





في الثلاثينات من القرن الماضي، سيهاجر الجـد بنهـدي إلى الجزائر، - القطر الشقيق لبلده المغرب – كما فعل ذلك قبلـه وبعده الآلاف من المغاربـة  الذين حملوا سواعدهم وخبراتهم، وتجاربهم وتجارتهم، وأموالهم، وكلما لهم من أحلام، ودموع وآلام وطموح وأفراح  وجاءوا بها إلى الجزائر ليساهموا إلى جانب إخوانهم في بناء الأساس المتين ورفع الأركان من البيت الغربي للوطن الكبير،  لا فرق بين البلدين، أرض مشتركـة وتاريخ مشترك. اختلط العرق بالعرق والدم بالدم، وانصهر الجميع، نساء ورجالا وشيبا وأطفالا في نسيج اجتماعي فريد29، تزوج المغربي بالجزائريـة وصاهر الجزائري المغربي وصار الأطفال يدخلون البيوت كما لو كانت بيتا واحدا لأسرة واحدة... يلبون طلبات الأمهات ثم ينخرطون في اللعب44 ، فهم ليسوا أنصاف مخلوقات، ليسوا أنصاف جزائريين ولا أنصاف مغاربـة، إنهم جزائريون بالكامل ومغاربـة بالكامل في الوقت نفسـه، فبين المغاربـة والجزائريين لم تكن توجد نصف جنسيـة وإنما جنسيـة كاملـة هي جنسيـة الوطنين معا، لعب الأطفال في الأزقـة نفسها، أكلوا الخبز نفسـه دون أن يسألوا أي الأمهات طهتـه، وكتبوا أسماءهم على جذوع الأشجار، ثم صاروا كبارا، الشبان، يطيلـون الشارب والشابات ينظـرن من خلف النوافـذ  لعرسان الغد .. عرسان أو فرسان بلا بطاقـة هويـة غير هويـة المكـان.
          في الثلاثينات من القرن الماضي، اصطحب الجد "بنهدي" أولاده الأربعـة (ثلاثـة بنين وبنت واحدة) إلى الجزائر63، حط الرحال بوهران وشمر على ساعديـه وحنجرتـه ليطرد الفضول ويدق أوتاد الاستقرار في بيت متواضع يكتريـه مع الجيران .. جد عصبي وصعب المراس، لكن الجدة في المقابل كانت حنونا ومتسامحـة، سهلـة وديعـة، يقصدها الناس من القرى المجاورة لتمريض الأطفال وتقديم المشورات ... حتى لقبت ب "لالـة شافيـة"63
ولما صدح نداء الثورة، تجند الأبناء الثلاثـة والأخت للدفاع عن البلد الذي صار بلدهم، البلد الذي كان حتى قبل أن يهاجروا إليه بلدهم، -هكذا كانوا يعتقدون .. أو هكذا كان قبل أن يستولى على البلد مسـاخ الذاكرة ونسـاخ التاريخ ومصـاصو الأرزاق والدمـاء– احتلوه، هم الذين لم يفعلوا شيئـا من أجل تحريره واستحوذوا على ذاكرة الآخرين.
الأبناء، كانوا يقاتلون المستعمر في الجبال ، والابنة كانت تهرب الأسلحـة للمجاهدين في سلال الخضر أو تمرر أوراق الخرائط والخطط للمحاربين داخل خبـزة كبيرة64 .. فكما كانت تفعل نساء المغرب من أجل استقلال المغرب فعلت المغربيـات من أجل استقلال الجزائر، ضحين بأنفسهن وبأبنائهن وإخوانهـن..
          وسقط الأبناء تباعا كجياد أصيلـة، سقطوا شهداء الواجب كما سقط أهلهم على أرض المغرب شهداء الواجب .. هؤلاء وأولئك المغاربـة .. هنا وهناك استجابوا لنداء الوطـن، وسقطوا فداء له، سقطوا من أجل الحريـة والكرامـة وعزة الوطن، لم يمتزج الدم المغربي والجزائري بالزواج والمصاهرة فقط، ولكن أيضا امتزج بالشهادة حين سقط المغاربـة إلى جانب الجزائريين برصاص المستعمر في ساحـة الشرف. مات المغاربـة من أجل أن تحيا الجزائر يوم كانت "بلاد العرب أوطاني*..."
          استشهـد الأبناء الثلاثـة، ومات الجد .. وماتت الجدة.. كانت الحرب قد انتهت، فتزوجت البنت المغربيـة بشاب مغربي وانتقلت للعيش معه في بيت جديد إلى جوار جيران جدد.. صارت المرأة أما فتكفلت برعايـة الصغيرين " حميد وسعيد " وصار الرجل  أبا فهاجر إلى شمال فرنسا ليعمل في مناجم الفحم64 ويعيل أسرتـه الجديدة.       
          عمي عبد السلام وخالتي سعيدة .. الجزائريان .. كانا الأقرب إلى قلب الأسرة المغربيـة.. وجميلـة ابنتهما ستكون الأقرب إلى قلب سعيد.
..  سعيد المغربي وجميلـة الجزائريـة سينشئان في البيت نفسـه يلعبان معا .. يحبـان بعضهما، يحبـان كليهما، يغرقان في الحب الطفولي البريء .. عروس وجدت فارسهـا إلى جانبها.. دونما حاجـة لكثير أحلام. عروس وعريس منذوران لبعضهما تقول الأسرتان .. ويحلمان أحلاما عاديـة .. جدا .. كما يحلم الشباب في المغرب أو في الجزائر.
هو الآن في السنـة الثالثـة فلسفـة... جامعـة وهران.
وهي في السنـة أولى حقوق14.
يحلمان بالزواج ودفئ الاستقرار .. أحلام على مقاس شابيـن متعقليـن.
 تفضي جميلـة بأحلامهـا للخالـة زليخـة (أم سعيد) حماتها المقبلة حين ترافقها لزيارة قبر الزوج (والد سعيـد) الذي مات مختنقـا في مناجم الفحم شمال فرنسـا فحملوه في صندوق إلى الجزائر ودفنوه في المقبرة وسط المدينـة .. مدينـة وهران 29..
ويفضي سعيد بأسراره لصديقـه مصطفى ليزناسني .. الموظـف الأعزب الذي يقاسمـه هو – مغربيتـه – ويقاسم جميلـة جزائريتها، فمصطفى من أب مغربي وأم جزائريـة21، لكن .. حتى ذلك الوقت .. ما كان أحد يهتم بمن هو المغربي مائـة في المائـة ومن هو ثلث مغربي أو ربع جزائري أو نصف نصف .. لم يذهب أحـد إلى المقبرة ليعزل عظام الموتى المغاربـة عن عظام إخوتهم الجزائرييـن.. لم تكن بعد مختبرات الحقد قد اخترعت شيئا اسمه الدم الخالص والجنس الأصيل.. لأن الدمـاء كانت مشتركـة..
-         دمـاء الحياة بالنسبـة للذين ساهموا في بناء الجزائر.
-         ودمـاء الشهادة بالنسبـة للذين سقطوا فداء لها.
-         دمـاء الحياة .
   حياة عاديـة تمامـا .. لشابيـن يحبـان بعضهما.
الأم المغربيـة تنظر بعيـن الرضا لنجاح ابنها وتنتظـر أن ترى له البنيـن والبنات.
 والأم الجزائريـة تنظر بعيـن الارتيـاح لنجـاح ابنتها وتنتظـر أن تهدهـد أحفادهـا.
 أما الصديق مصطفى ليزناسني فيتابـع الأخبار ويلتقط الأسرار و "يحلم أن يعيش ويسافر، ويتعرف على الدنيـا، ثم يتزوج، وينجب أولادا يكبرون ويتوزعـون على هذه الأرض. ويعيش في طمأنينـة"78.
كانت هذه الحال بالنسبـة لما يزيد عن 43 ألف أسرة مغربيـة تعيش في الجزائـر.
أسر من أم مغربيـة وأب مغربي، أو من أب جزائري وأم مغربيـة أو أم جزائريـة وأب مغربي، فقراء وأغنياء، تجار وأصحاب أموال صناع وحرفيـون وفلاحـون. أمازيغ وعرب. متعلمـون وأميـون، نساء ورجال وأطفال وشباب، مسنـون، عجزه  ورضع ، مرضى، حوامـل. ما يزيد عن 300 ألف من المغاربـة.
لا شيء كان ينبئ بأن هذه الحياة العاديـة جدا، والمستقرة كما يجب أن يكون الاستقرار، ستنقلب إلى جحيم وألسنـة نار تلتهم الأجساد والأحاسيس والمشاعر وخشب السقـوف وأشجار الحدائق وأزهارها.
لا شيء كان ينبئهم بمصير كذلك المصير الذي وجدوا أنفسهم أمامه بلا سابق إنذار ولا سابق إنتظار.
لكنها دائما السياقات الكبرى للتحولات التاريخيـة التي تخترق العالم فتفك ارتباطات وتحل أحلافا وتقيم جدارات ومعسكرات .. ثم تجري قضاءها ومقاديرها على المستضعفين أفرادا وجماعات عن غير سابق تفكير أو تصميم من هؤلاء.
هكذا وجدت 43 ألف أسرة مغربيـة - تعيش فوق التراب الجزائري - نفسها تتلقى الضربات الموجعـة.. ضربات الغدر والإهانـة.. فاستسلمت للموجـة العابثـة بالأرواح والأرزاق والكرامـة الإنسانيـة. استسلمت للموجـة العاتيـة وهي تدفعهـا بجنون الحقـد والانتقام إلى الارتطام بصخرة واقع لم تكن مهيأة له بالمرة .. واقع لم يكن متوقعـا.
لم تكن أي واحدة من تلك الأسر ال 43 ألفـا ولا كان أي واحد من أولئك المغاربـة 300 ألف منذورا لكي يصير بطلا لحدث نظائره في التاريخ تعد على رؤوس الأصابع.
أبطال ليس لهم من البطولـة غير بطولـة الضحيـة التي ترضخ للأمر الواقع راضيـة بقدرها، لأن جلادها لم تبـق له أية صفـة تجمعـه بالإنسان، وأفقده حقده الأعمى كل شعور أو إحساس بالأخوة .. وبالعروبـة.. وبالإنسانيـة25.
مصير أو قدر فرضتـه النزوات الشخصيـة والعناد حين يصبح العناد والنزوات سيدان يمليان على أصحاب القرار الاختيـارات السياسيـة مهما كانت مكلفـة وباهضـة الثمن .. باهضـة الثمـن بالنسبـة لضحاياهم. فقـد شاء الحاكمون في "المراديـة" أن ينتقمـوا من كل المغاربـة الموجوديـن في الجزائر، وينغصوا عليهم فرحـة استرجاع الصحراء من يـد الإسبـان، وفرحـة العيـد11 .. لقد استكثروا على المغاربـة أن يفرحوا لفرح وطنهم وأن يحتفلوا بسنـة نبيهم، فقرروا بلا سابق إنذار طردهم. ذلك الطرد المهيـن.
 مصير هؤلاء المغاربـة يرسم أكثر من علامـة تعجب واستغراب واستفهام فوق رأس كل من ساهم في القرار أو نفذه أو تواطأ بسكوتـه أو صمتـه من  المسؤولين في الجزائر، كما أنه يزيل كل لبس أو إبهام حول نواياهم تجاه المغاربـة( نحن في1975) .. فالعلاقـة بين القطرين واحدة من أغرب وأعقـد علاقات الجوار. إذ كل شيء يجمع القطرين الشقيقين، الأرض والسماء والتاريخ واللغات والماء والدماء ... وكل شيء يفرقهما. فمع الاستقلال اختار المغرب اللبيراليـة وقرر المتنفذون في الجزائر الاشتراكيـة. وأعطى المغرب الأولويـة للري والفلاحـة وفرضت الجزائر التصنيع من أجل إنشاء بروليتاريا على مقاس العالم الثالث، واختار المغرب التعدد وأصرت الجزائر على أنه لا صوت يعلو فوق الحزب الواحد ومال المغرب للغرب ومالت الجزائر للشرق واختار المغرب قيم الانفتاح والتسامح والاختلاف وانتهجت الجزائر أسلوب التشدد والرأي الواحد.
وفي المحصلـة : نجح المغرب بفضل تضحيات أبنائه في أن يتغير ويتبدل ويتحول ويتقدم . لقد تغير العالم وتغير المغرب. ولكن السلطات العليا في الجزائر بقيت منفصلـة على عصرها، متصلبـة في موقفها لا تريد لصورة الجار أن تتغير في عينيها، لقد جمدت الصورة وحنطت التاريخ وتوقفت به عند لحظـة تعلم هي وحدها  سر اختيارها...... وتوقيتها، وأصبحت هذه الحال عائقـا نفسيـا يستحيل معه أن تقبل إلى جوارها بمغرب متحرر وناجح ومنفتح على العصر، لقد جعلت من إعاقاتها النفسيـة وهي كثيرة، عوائق فعليـة في وجـه تكامل القطريـن. وهكذا فبعد شهر واحد فقط على تحرير المغرب لأقاليمـه الجنوبيـة وفي 18 دجنبر من سنـة 1975 أقدمت السلطات الجزائريـة على طرد ما يزيد على 43 ألف أسرة مغربيـة تعيش بشكل قانوني داخل التراب الجزائري، ولأن الانتقام كان أعمى وأهوج فقد انتظرت عيد الأضحى لتشرع في التهجير، لقد ضحت بهذه الأسر على مذبح حقد أسود وبلا معنى، ساخرة من دم لا يمكنـه أن يصير ماء ومن ملح وطعام مشترك، ومنتهجـة  في ذلك أسلوبا قل نظيره في التاريخ، ولعلـه واحدة من التطبيقات العمليـة لدروس المعلم الروسي الكبير في حروب التهجير والترحيل ضد القوميات والأقليات والمختلفيـن.
لقد مرت الآن 37 سنـة على هذا الحدث المفصلي في تاريخ العلاقـة بين القطرين، والتراجيدي في انعكاساتـه وآثاره الاجتماعيـة والنفسيـة على الأسر التي اصطلت بناره الهوجاء.
مات خلق كثير منذ ذاك .. وولد خلق كثير.
فهل طوى النسيان هذه الواقعـة الأليمـة، وضمد جراح ضحاياها15.
 بعد 37 سنـة على هذه المأسـاة، يصدر الكاتب الملتزم والمتألق معمر بختاوي روايتـه / الوثيقـة / الشهادة / "المطرودون"
وليس ما كُتب في هذا التقديم غير قبسات من عوالم وأجواء هذا العمل الإبداعي القيم في ذاته وغايته . ف "المطرودون" روايـة / شهادة تخيلية/شاهدة على المأساة. ولهذا الإصدار ولا شك وفي هذا الوقت بالذات، علاقـة بواجب الاعتراف بتضحيات جيل بكاملـه، وبواجب حفظ الذاكرة27.
إنها بالمعنى السالف وثيقـة أدبية وشهادة إدانـة يعلنها المؤلف على الملأ.
على ظهر الغلاف يشهر المؤلف صورتـه وسيرتـه وروايته مؤكدا على أنها : "تحكي قصـة ثلاثـة وأربعين ألف أسرة مغربيـة طردت من الجزائر إلى وطنها الأم. في ظروف أشبـه بكابوس مرعب من طرف الحكومـة الجزائريـة، على إثر قيام المغرب، بمسيرة إلى صحرائـه الجنوبيـة.
أسر مزق أوصالها هذا الطرد، وانفصلت عراها، توجـه نصف العائلات إلى ما وراء الحدود .. وبقي نصفها هناك يعاني التمزق والضياع حتى يومنا هذا.
رحلت هذه الأسر بعدما اعتقدت بأنها في أرضها، جردوها من ممتلكاتها، وقالوا لها عودي من حيث أتيت".
43 ألف أسرة، ما يزيد عن 300 ألف مغربي، هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون لمأساة الطرد التي تحكي عنها الروايـة، تماما مثلما أن 350 ألف مواطن مغربي هم الأبطال الفعليون للمسيرة التي حررت الصحراء، المغرب كان يحرر والجزائر كانت تهجر وتلك هي مفارقـة التباس الحق بالباطل، مفارقـة تربص الجار بالدار.
300 ألف مغربي مهجر،  يتكلم باسمهم سعيد بنهدي المولود بالتراب الجزائري من أم هربت السلاح للمجاهدين وأب مات اختناقا في مناجم الفحم الفرنسيـة29 ليزدهر الاقتصاد الجزائري وأخوال دفعـوا دماءهـم وأرواحهـم فداء للجزائر.
يتكلم سعيد بنهدي بلسان السارد وينظر إلى الأحداث بعين الشاهد فيروي ما عاشه ورآه بقلب يعتصره الألم وعين تتدفق بالدمـوع. هو، و300 ألف مغربي كانوا يحيون حياة عاديـة، كل واحد منصرف إلى ما هو فيه من شأن.. خاص.. فجأة، أصبح / أصبحوا غرباء، مطاردين في وطن ساهم الآباء في بنائـه، وحملت الأمهات السلاح خفيـة من أجل تحريره :
 "قدمت أسرتي خمسـة شهداء، قضوا نحبهم على أرض الجزائر"85
  تقول سيدة مغربيـة.
دم خمسـة شهداء لم يشفع لها في البقاء.. لم يشفع لها في إكمال رحلـة العمر إلى جوار قبور أهلها على الأقل.
"بوه .. بوه .. على ولدي اللي مات من أجلكم يا الكلاب الغدارين .. يا المجرمين.. يا نكاريـن الخير .."71
تقول امرأة مسنـة، وقد رموا بها في الشاحنـة كبضاعـة فاسدة.
 ولا شك أن نار الغل والغيض كانت تستعر في صدور أهل "المراديـة" حين كانت أخبار المسيرة تتواتر مرفوعـة إلى الأعلى بالحناجر التي كانت تلهب الحماس على الدوام مغنيـة "العيون عيني .. والساقيـة الحمرا ليا .. والواد وادي ..* "
لقد تحول المغاربـة فجأة إلى رهائـن في أيدي السلطات الجزائريـة، وإذ استحال عليها إعاقـة المسيرة فقد حولت غضبها إلى انتقام أسود من الإخوة الضيوف / الذين لم يكونوا يملكون حيلـة لصد انتقام الغدر، انتقام الجبناء.
كل القرارات تصدر باسم سلطات عليا، وكل الجبناء والتافهين الذين تحولوا إلى آلات تزرع الرعب بالليل والنهار في القرى. والمدن والأحياء والبيوت، كانوا يختفون وراء عبارة واحدة، إنها أوامر السلطات العليا، .. بأمر من السلطات العليا اضطهد المغاربـة، واغتصبت بناتهم وأمهاتهم وصودرت أموالهم وبيوتهم وأمتعتهم ومدخراتهم. باسم السلطات العليا، قطعت أرحامهم وأوصالهم وأواصرهم واجتثوا من الجذور ... باسم سلطات عليا لا أحد يسميها أو يفصح عمن يختفي وراءها44 والجميع يعرف من تكون ...
فهل يمكن بعد كل ما حصل أن يتسع القلب للصفح ؟.
يقول سعيـد بنهدي قبل أن يشرع في الحكي.
-         "كم يكفي من الوقت لأستفيق من هذا الحلم الكابوس ؟
-         وكم يكفي من الدموع لغسل هذا العار ؟
-         وكم يكفي من المحبـة لتطهير النفوس ؟
-         وكم يكفي من الوقت لنسيان الجراح ؟"15 .
ثم يفتح الأبواب والنوافذ على مصارعها لتدخل الحكايـة / المأساة كل البيوت، فينقلنا إلى الأجواء الحيـة التي عاشها رفقـة والدتـه زليخـة وأخيـه الأصغر حميـد، ورفقـة صديقـه الأعزب مصطفى ليزناسني، و الجارين عمي عبد السلام والخالـة سعيدة وابنتهما عروس المستقبل  "يوم كان له مستقبل" ...  ... جميل،
جميلـة تحضر بين ثنايا الحكايـة وفي كل طياتها ... كحلم جميل.
وكما هُو الشأن بالنسبـة للأحلام .. يستيقظ سعيد فيطير الحلم من بين عينيـه ويديـه، وتداهمـه كوابيسُ ضباع وغربان وأفاع وعقارب، ونحيب ونعيق ونبـاح وعواء حيواناتِ وآلاتِ الدهس والرفس والركل والكسر تدوس الأحلام والذكريات وتعض بأنيابها على أصابع وقلوب الأطفال والرضع والعجائز والمرضى..
ينقلنا بنهـدي لنعيش اللحظات السوداء لهذا الطرد الأسود، يصف (الما قبل) و(الما بعد) التهجير، و(الما بينهما) من حمم البركان الأعمى التي اندلقت على الرؤوس.
يصف قافلـة الذل وهي تسوقهم إلى الحدود كمتلاشيات ما عاد الإخوة المفترضون / الأعداء الفعليـون يرغبون فيها11.
هؤلاء الذين اتخذوا القرار، ليسوا أبناء الأمير عبد القادر ولا هم رفاق ولا إخوة جميلـة بوحريد80 .. هؤلاء من فصيلـة أخرى .. أما الذين حرروا الجزائر فلم يعد لهم مكان في الجزائر.. أو لهم فقط الحسرات التي تقطع الأكباد وبقايـا الذكريات .. لهم ركن قصي من رقعـة الوطن ليس أكبر من رقعـة "ضامـة" يتحلقـون حولها ليعضوا على أصابع الندم30.
-         "اتفـو .. على الوقت"
 يقول  السي الخضر
-         أيام العز راحت مع أصحابها .. وبقيت أيام الخنز"31
يرد عليـه السارجان عيسى ..
-         "اتفـو على الجميع"... يتابع السي الخضر
-                      كل هذا من أجل ماذا ؟ أنا نادم على المشاركـة في تلك الحرب التي تسمى تحريرا .. تحرير ماذا ؟ .. ولأجل من .. ماذا ربحنا من تلك الحرب غير الموت .. وأطراف من خشب .. وأجسام مثقوبـة بالرصاص."32
السي الخضر الذي خاض حربين .. الأولى إلى جانب فرنسا والثانيـة ضد فرنسا .. يحاكم حرب التحرير، أو لعلـه يحاكم جبهـة التحرير، بشكل واضح وصريح.. من  أجل ماذا حارب الجزائريون ؟ .. ويجيب مؤكدا ومستنكرا ومدينـا :
-         من أجل أن يأتي الجنرالات ويتربعـوا على الكراسي الوثيـرة بكروشهـم ومؤخراتهم العريضـة"33.
سعيد بنهدي .. يسمع ويرى ..
سعيد بنهدي يقدم شهادتـه..فيتكلم بلسـان المغاربـة والجزائريين، بلسان المغاربـة الجزائريين عن مشاهد العار والخسـة والحقارة.
        يقـول سعيد بنهدي :
        "بدأ البوليس والدرك والجيش بترحيل الناس عبر أفواج، وفي حراسـة مشددة، ومن لم ينصع للأوامـر ضرب بعنف وقسوة"33
        يقـول سعيد بنهدي :
        "علا صوت النسـوه .. وتمسكـن بكل شيء .. بالأرض بالصخـور.. بجذوع الأشجار .. ولكن الأيدي كانت تهوي تحت ضربات رجال الشرطـة والجيش .. المتعطشين للركل والرفس بأحذيتهم الغليظـة"33.
        يقـول سعيد بنهدي :
        "انتشـر رجال الشرطـة عبر بيوت القريـة ... داهموا البيـوت" 34... "سنعـد حتى ثلاثـة ونكسر الأبـواب" ... كانوا يقولون.
        يقـول سعيد بنهدي :
"توجـه الرجل الطويـل إلى الحجرة التي توجد فيها المرأتان ..
خذ الأم واترك لي الفتـاة ..."35... قال.
        يقـول سعيد بنهدي :
"في جميع المدن والقرى كان رجال الشرطـة يجوبـون الأحيـاء والأزقـة ليلا ونهارا، ليزرعـوا الرعب في الغرباء .. وكانوا يخرجونهم من بيوتهـم كما يخرج الأنـام من قبورهم يوم الحشر .. أو كما تساق الأنعام من الإسطبلات للذبح"52..
        يقـول سعيد بنهدي :
"صرخت الفتاة، والتصقت بالحائط كورقـة إعلان، رفعت ركبتها تدافع عن نفسهـا، فأمسكها وأسقطها أرضا ............ خارت قواها ..... استسلمت للوحش الأدمي ..35"
        يقـول سعيد بنهدي :
"كان رجال الشرطـة والدرك يتحركـون بجنون، ويبحثـون في كل مكان، يقتحمـون الدكاكيـن، والمحلات التي يمتلكها المغاربـة، ويأخذون منهم المفاتيح .. يقفلـون الأبواب ويدفعـون أصحابها إلى الخارج39.
        يقـول سعيد بنهدي :
"وقف الأطفال متباكيـن، مندهشين .. تائهيـن .. حيارى .. ينظرون تـارة إلى اليميـن وتـارة إلى الشمال .. أينحازون إلى آبائهم أم إلى أمهاتهم ؟ ..40"
        يقـول سعيد بنهدي :
“ بعدما أوقف رجال الشرطة والدرك الجميع في صفين منعوا المغاربة من العودة إلى منازلهم أو أخذ أي شيء .فمنهم من أخرج في ملابس النوم.ومنهم من كان يتهيأ للصلاة . ومنهم من كان على مائدة العشاء.....
قال رئيسهم/ كبيرهم
ـ كما دخلتم هذا البلد فقراء .تخرجون فقراء
وقالت القلوب التي في الصدور
ـ هكذا حكمت الطغمة الطاغية".40
يقـول سعيد بنهدي :
"نقلنـا إلى مكان مجهـول، وحشرنـا مع عدد من إخواننا المغاربـة دون أكل ولا شرب، في مكان واطئ السقف، قليل التهويـة بلا إنارة تقريبا، شبيـه بزنازن القرون الوسطى، وآخرون حشروا في سجون مهجـورة، كان المستعمر يعذب فيها الثـوار أثناء حرب التحرير57"
        يقـول سعيد بنهدي :
"لم أصدق أني أخرج من هذا البلد كما أخرج إخواننا الفلسطينيـون من أرضهم عام النكبـة 75"
ويقـول :
"كان المطردون يشكلـون موكبـا جنائزيـا .. وخيل إلي أني أساق إلى مشنقـة، قضاتهـا أبالسـة .. ومحامـوها شياطيـن مردة 76" .
ويقـول .. ويقـول .. ولا يتوقف عن القول.
سعيد بنهدي يسمع ويرى ..
سعيد بنهدي شاهد عيـان يتكلم بلسـان المغاربـة في الجزائر، يلعـن من أصدر الأوامـر بالطرد ويفضح من طبق التعليمـات الحمقاء.. وينقلـنا لنعيش معه/معهم اللحظـات السوداء لهذا الطرد الأسـود، يصف (الما قبل) و(الما بعد) التهجـير، ويصف رحلـة الجحيم في الليل البهيم، الذي خان فيه الجار الدم والملح وكشر عن أنيـاب الغدر58.
ثلاث لحظـات شديدة القوة.. شديدة القسوة، تنفطر لها القلـوب وتتفجر الأوردة..
ثلاث لحظـات من التعذيب السـادي لمواطنيـن  مغاربة عزل ..
        مواطنون كانوا يظنون أنفسهـم في بلدهم وبين أهليهم لاعتقادهم بأن كل "بلاد العرب أوطاني*».. فإذا بهم مجرد غربـاء، رغم توفرهم على كل الوثائق القانونيـة التي تعطيهـم مشروعيـة الوجـود فوق تلك الأرض وداخل تلك البيـوت وبتلك الأحيـاء وتلك المـدن والقرى، لقد أصبحوا يعيشون كمهاجرين سرييـن يخشـون ضوء النهار .. يتجنبـون الأماكن العامـة ويهربـون من سيارات الشرطـة22، يتكلمـون همسـا .. أو بغمـزات العيـون .. هكذا صاروا حين أخذت الإشارات تتواتر عن قرب الترحيـل.
ترقـب و توتـر، قلق الما بين التصديق والتكذيب واليأس والرجاء. شك  فيما يقـال واستغراب لما قد يحصل .. أحقـا يمكن للأخ أن يطرد أخاه53؟ ! أحقـا سيغادرون هذه الجدران، وهذه الأشجار وهذه الأحياء والمقاهي والهواء والبحـر، يغادرون الأمهـات والأبناء، ويغادرون الشهداء وقبـور الأجداد23 .. يغادرون الحبيبـة .. لأنها من والدين جزائريين ولأنهم مغاربـة.
هي لحظـة أشبـه ما تكون بالومضـات الجارحـة، لحظات اجتزئت من ذلك الزمـن البغيض، الذي أخرج فيه العرب من الأندلس، ورحل الفلسطينيون من حيفـا75، وسيقـت قوافل المبعدين إلى جحيم الكولاغ. وكانت فيه الغيسطابـو تملأ الشاحنـات ببني آدم لتقودهم إلى حتفهـم مرغميـن غير مباليـة ببكاء أو جوع أو عجز أو صراخ66.
قد تبدو المقارنـة غير موضوعيـة. خاصـة بين تواريخ وأزمنـة مختلفـة ومتباعدة، في الدلالـة والعمق والامتداد .. ولكن تجربـة الألم واحدة، وتجربـة الاقتلاع من الجذور واحدة، وتجربـة العزلـة في مواجهـة الضواري والوحوش الأدميـة واحدة. هي التجربـة نفسها رغم اختلاف الزمـن والظروف، بالمقدار نفسـه، والوقع نفسـه .. والألم العظيم أيضا.
        لحظات تختزل عشرات السنوات من أحقاد حولت صفحـة سماء الأخوة الصافيـة إلى شظايا راجمـات تتساقط على ضحايا لم يعد لهم سقف يحمي الرؤوس ولا أرض تمشي فوقهـا الأقدام والأحلام.
        دوهمت البيـوت وأخرج الناس من ديارهم يوم عيد النحر، تركوا الأضحيات معلقـة55، وتركوا الدور خاليـة في بلد ساهموا في تحريره، ذنبهم أنهم شاركوا وطنهم فرحـة استرجاع الصحراء فوجد الجار في فرحهم ما ينكأ جراحا قديمـة ويوقظ آلاما وإعاقـات وأعطاب نفسيـة لن تلتئم أبد الدهـر( نحن دائما في 1975)
        فما أقسى أحكام الجغرافيـا.
        إذ يمكن أن نغير كل شيء إلا الجغرافيـا.. لأن الأرض تبقى دائما في مكانها .. ولا يمكن لأي شعب أن يحمل أرضـه على ظهره ويرحل مبتعدا عن جار لا يرعى حرمـة الجوار والتاريخ المشترك.
        تكاد تكون هذه بعض تأملات سعيد بنهدي في الوقائع التي وجد نفسـه أسير مجرياتها .. وإن لم يكن يجهر بها، فهي في كل ثنيـة من ثنـايا المشاهد التي يعلن فيها إذانتـه لفضيحـة الطرد. لقـد أحسن الكاتب المبدع معمـر بختاوي فعلا الاختيـار، حين وزع الحكايـة على هذه اللحظـات الثلاث، إذ أنه بذلك التقط المفاصل الأساسيـة لهذا الحدث الصادم.
        قلق ما قبل التهجيـر – جحيم التهجيـر – خيبـة المهجريـن تلك الخيبـة الباردة، التي جعلتهم يتعلقـون بكل الوجـوه.. ويعلقـون الأمل على أي حل .. حسب حظ كل أسرة منهم.
        يقـول سعيد بنهدي :
        "نسينـا كما ينسى المتاع الرخيص في بيت مهجـور، والمحظوظون منا وجدوا عملا في أدنى السلالم، أو اشتغلوا حراسا ليليين .. والقليل منهم حاز على عمل وسكن وظيفي في المدارس التعليميـة أو الشبيبـة والرياضـة أو التعاون الوطني.. والحاصلـون منهم على شهادات تخندقوا مع جيوش العاطليـن"87.
        سيـذوق سعيـد مرارة أن يكون الإنسـان من لا مكان، بلا هويـة ولا أرض، هو الذي كان بأرضيـن وجنسيتيـن. فهناك قيل له أنت .. من هناك، وهنا يقال له أنت من هناك وليس هناك هنا .. ولا هنا هناك .، فلا أنت من هنا ولا أنت من هناك .. ففي الجزائر كان مهاجرا من المغرب وهو في المغرب مهاجر من الجزائر.
        يقـول سعيـد :
-         "سألني مصطفى ..
-         هل كتب على جباهنا أننا مهاجرون ؟
أجبتـه
-         كتب عليـنا الطرد من بلد .. والتشرد في بلادنا"88
لحظات سوداء ..تتخللها انفراجات صحو، وفجوات ضوء وهواء .. فجوات بين غمـام المحنـة وغمتها، تطل منها شمس ويطل منها قمر، فعلى الأقل قد تبتسم الشمس وقد يبتسم القمـر لهؤلاء المهجرين قصرا بعد أن كشر العسس والحرس على أنيابهم وحرموهم الماء والهواء والسجائر والكلام ... شحنوهم كما تشحن البهائم والقـوا بهم على الحدود كالمجذومين..
وإن يكن ..فعلى الأقل قد تبتسم شمس لهم ويبتسم قمر.
" جاء الناس من مدن مختلفة لاستقبال أحبائهم الذين عادوا خائبين مدمرين...يائسين وفي عيونهم اشتياق ولوعة إلى معانقة إخوانهم وأحبتهم الذين لم يروهم منذ زمن طويل.."82
يقول سعيد:
"وجدنا الشاي والخبز الساخن في انتظارنا..."82
فليكن ...ف " ريحة البلاد وكأس شاي مع الأحباب " شمس تدفئ القلوب وقمر يرحب بالعائدين.
-----------------------------------------------
  حاشيـة على القراءة :
        سعيـد بنهدي : سيجد عملا في إحدى الإعداديـات الحرة بوجـدة. يتشبث سعيد بحلم العودة .. فيبعث الرسائل إلى جميلـة يسألهـا عن البيت ....
 لعلـه بعد 37 سنـة لا يزال يحتفظ بمفتاح البيت..
-         أيتها المرأة المتلهفـة. بعد 37 سنـة من الفراق كيف هو طعم الكلمات على شفاهك الظامئـة.
مصطفى اليزناسني : كان يحمل الجزائر كلها بين جوانحـه  قيل ابتلعته  رمال الصحراء و قيل ابتلعته أمواج البحر .. لا أحد يعرف ..
 لعلـه الآن في وهران يتذكر الأيام الخوالي ويراقب أطفال الجيران يلعبـون لعبـة الجمركي والمهاجر..69
الشريـف : كان يملك أكبر متجر للمجوهرات بوهران .. ظن بأن السلطات الجزائريـة ستوقره أو توفره .. رغم ما قيل له من أن "هؤلاء لا يعرفون فقيرا ولا وزيرا .. إنهم كالكلاب المسعـورة تعض كل الأيادي" 53
"سحبـوه من المتجر، رفسـوه وركلوه .. وألقـوا به عند الحدود ... هنـاك بقي .. لا يعرف أين" 43 ....................................................
"وجده حراس الحدود ميتـا، وثيابـه ملطخـة بالدماء "52 .
 دم الشريف .. دم الميت.
جميلـة : قد تكون الآن تجاوزت الخمسين  .. إن كانت بعد على قيـد الحياة. أو لعلها التحقـت بسعيد إن لم يكن هو الذي التحق بها.. وقد تكون تزوجت بعد أن طال انتظارها وشقاؤها بالذكريـات.. كل سنـة تأتي إلى نفس المكان، تنزع أوراق زهرة أيامهـا و تسأله :
– تحبني – لا تحبني – تحبني – لا تحبني.
 وتتخيله إلى جانبها ينزع أوراق زهرة العمر ويجيبها:
– تحبني – لا تحبني – تحبني – لا تحبني
43 ألف أسـرة : طردتهم السلطات الجزائرية  في 18 دجنبر 1975 شهرا واحدا فقط بعد تنظيـم المسيرة الخضراء .. يوم عيد الأضحى.
           ذبحـوا أضحياتهم وتركوها معلقـة.
                    وبنوا دورهم وتركوها خاليـة.

--------------------------------------
الهوامـش :
 *  هذه القراءة تتعلق بالحدث وسياقه التاريخي.
* الأرقام في متن القراءة تحيل على صفحات الرواية.
* كتب عدد الأسر وعدد المغاربة المهجرين من الجزائر بسبب استرجاع المغرب للصحراء بالأرقام وليس بالحروف قصد لفت النظر.علما بأن الأرقام الحقيقية هي أكثر بكثير مما ذكر في الرواية وفي القراءة.
1.    دم الميــت : عنوان كتاب باللغة الفرنسية " لمقران سالم " يتناول المأساة نفسها والمؤلف يقتبس إحدى عباراتـه ليقدم بها الفصل الأول من الراويـة، وكذلك يفعل بالنسبـة لبقيـة الفصول .. إذ يقدم لكل واحد منها بشهادة عن المأساة .. لصحافيين أو سياسيين أو شهـود عاشوا التجربـة.. شهادات قويـة ومؤثرة.
2.    المطـردون : روايـة : الطبعـة الأولى 2012- لوحـة الغلاف الفنان العربي محمد سعـود. مطبعـة Rabat – Net  ، عدد الصفحات 96.وهي في حدود علمي العمل الإبداعي الأول الذي يتناول حدث طرد المغاربة من الجزائر باللغة العربية.
معمـر بختـاوي::- من مواليد مدينة بركان حيث تلقى تعليمه الابتدائي،انتقل الى مدينة وجدة لإتمام دراسته الاعدادية والثانوية .ـ خريج المركز التربوي الجهوي بوجدة 1982/ ـ خريج المدرسة العليا للأساتذة بفاس 1992/ ـ حاصل على شهادة استكمال الدروس،1995 كلية الآداب بفاس/ـ حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والمعاصر. كلية الآداب بوجدة 2003.
     صدر له:   رواية "أطفال الليل"( دار التوحيدي بالرباط 2010)
         دلالة الخطاب في المسرح الهاوي (منشورات "كلمات" 2011)
       المارد ، مجموعة قصصية (منشورات "كلمات"2011)
       رواية "المطرودون"..2012
 بلاد العرب أوطاني : هو نشيد عربي يتغنى بالوطنيّة القومية العربيّة و يمتدح الوحدة نظم كلماته الأستاذ فخري البارودي و لحَّنَ موسيقاه الأخوان فليفل:
بلادُ العُربِ أوطاني منَ الشّـامِ لبغدان ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ
فـلا حـدٌّ يباعدُنا ولا ديـنٌ يفـرّقنا لسان الضَّادِ يجمعُنا بغـسَّانٍ وعـدنانِ
لنا مدنيّةُ سَـلفَـتْ سنُحييها وإنْ دُثرَتْ ولو في وجهنا وقفتْ دهاةُ الإنسِ و الجانِ
فهبوا يا بني قومي إلى العـلياءِ بالعلمِ و غنوا يا بني أمّي بلادُ العُربِ أوطاني


 بقلم :   جمال الدين حريفي


03/08/2012

لقطات من حفل توقيع رواية : المطرودون


معمّر بختاوي موقّعاً روايته الثانية : المطرودون


من اليمين إلى اليسار
ذ. محمّد رحّو، د.معمّر بختاوي
د. مصطفى رمضاني، الزجّال ميمون الغازي مسيّراً







31/07/2012

توقيع رواية : المطرودون لمعمّر بختاوي


معمّر بختاوي ¤ في بركان





تنظّم المنظمة المغربية للكشافة والمرشدات ـ فرع بركان ـ حفل توقيع رواية : المطرودون للمبدع  معمّر بختاوي ، بمشاركة د. مصطفى رمضاني و ذ. محمد رحّو، يوم الأربعاء فاتح غشت 2012، بعد التراويح،  بالمركز الاجتماعي للقرب، الكائن قرب 
المكتبة البلدية، في مدينة بركان
والدعوة عامّة

13/07/2012

فاكهـة الحكي ـ قراءة في المجموعـة القصصيـة :المارد

قراءة في المجموعـة القصصيـة "المارد"ـ لمؤلفهـا الدكتور معمر بختاوي1




       أوقعتني قراءة المجموعـة القصصيـة "المارد2" للكاتب معمر بختاوي في ورطـة حقيقيـة، وذلك أمر لا يمكن أن يوقعك فيـه إلا كاتب حقيقي  وعميق، صادق الإحساس، واضح الفكرة، قوي العبارة. وهو كذلك أمر لا يمكن أن توقعك فيه إلا كتابـة كثيفـة وممتلئـة، تحمل طي عوالمها حرقـة التحسر على واقع مجتمعات ابتذلها الأنذال وضيعـها الرجال، وأمانة الشهادة على التحول والتغير الممكن بعد أن كادت تنسد كل الآفاق.
       فليس من السهل أو اليسير المغامرة باقتحام عالم قصصي رحب وفسيح  بقدرما هو متشعب ومتشابك. وليس من السهل  ولا اليسير سبر أغوار عالم متعدد متنوع بقدر ما هو واحد متفرد، "عالم الصراع البشري المشدود كالقوس الى حده الأقصى حيث التناقض البغيض والوحشي بين:  الضحية والجلاد /الغالب والمغلوب/القوي والضعيف/ الحاكم و المحكوم. إنـه عالم مزدوج، بل إن مجموعة المارد عبارة عن عوالم قصصيـة مضاعفـة و مركبـة، اذ على طول صفحاتها الثمانين ونصوصها التسعة والعشرين3، ما إن تعتقد بأنك أمام كتابـة مباشرة حتى تكتشف بأنها كتابـة حبلى بالمجاز4،  وما إن تحسب بأنها كتابـة تصور الواقع وتتعقب الأحداث حذو الحافر بالحافر ، حتى تجد نفسك في الفضاءات الرحبـة للمحاكاة، و للتخيل الجميل5. إنها كتابـة واعيـة وذكيـة يقودها صاحبها بدقـة الباحث ورقـة الشاعر وتقنيـة المسرحي، صوب الأهداف التي رسمها في تقديمـه للكتاب6، وفوق ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل ويصل بين عالمين محايثين لبعضهما(في الواقع وفي الكتابـة):عالمي الظاهر والباطن/ المرئي والخفي/ الجوهري والعرضي/ الحقيقي والخيالي. وهذا النوع من الكتابـة هو على وجه الإطلاق أصعب أنواع الكتابـة وأمتعها، ولكن فقط بالنسبـة لأولئك الذين يصدقون نبوءات الحكاية، فيضعون أيديهم أثناء القراءة على نفس الجمرة التي أحرقت أصابع الكاتب، يضعون أكفهم على جمرة القلب، ويشاركونـه وجدانيا الألم نفسـه، ويقاسمونـه المتعـة نفسها.
 وتلك أيضا أصعب أنواع الكتابـة، لأنه لا يستطيعها إلا كاتب تمرس بالحياة وصهرتـه بنار أوجاعها وفجائعها مثلما تمرس بالكتابـة وألان عريكتها لخدمـة أفكاره وأحاسيسـه ومواقفـه وعواطفـه،فصارت هي الناطقة باسم عقلـه وقلبـه، لأنـه لا يتقن ولا يحسن ولا يعرف غيرها مهرا يقدمـه للاحتفاء بأعراس الشعوب حين تنهض، وحين تنتفض، وحين تقوم واقفـة وقد عيل صبرها لتطرح عن ظهرها عقودا من المهانـة والذل ولتصرخ في وجـه المستبد الظالم...كفى... ارحل7.
       معمر بختاوي إذن، كاتب يصدر عن تجربـة غنيـة ، يعتبر الكتابـة أمانـة ومسؤولية، صدقا مع الذات والآخرين وصلـة وثيقـة بالمحيط، وسيلـة للتعبير الأدبي وأداة للتغيير الاجتماعي، وسيلة وأداة لتحريك المياه الآسنة.
      وهو كاتب خبر  الدنيا والناس، وعرف الألم والمسرة، فمن غيره يستطيع أن يصف آلام الناس ومسراتهم، ومن غيره يستطيع التعبير عن هواجسهم ووساوسهم، في أقصى حالات الوهن والضعف وفقدان الحيلة و كذا في أعتى حالات النرجسية والغرورو القوة و التسلط و والبطش الاستكبار.
       كاتب مهووس بالإنسان وبالوطن، لا يمكن أن يعبر في كتابتـه إلا عن محنـة الإنسان ومحبة الوطن أومحبة الانسان ومحنة الوطن.
       ولعل ذلك هو الخيط الرابط بين التسع والعشرين قصـة التي تتضمنها مجموعـة المارد، أو فلنقل إنه الإنسان/الوطن/الغد الأفضل: الموضوع الوحيد الموحد، والقاسم المشترك بين نصوص المجموعـة.
       هي إذن تسع وعشرون قصـة تكاد تكون متساويـة المقادير، فأقصرها تشغل مساحـة نصف صفحـة، وأطولها لا تتجاوز الأربع صفحات، وأغلبها تقف تامـة النضج والكمال عند حد الصفحتين.
       هل يفيدنا هذا التوصيف في شيء ...؟
نعم ... إنه يجعلنا نشعر ونحن نرافق الكاتب في رحلتـه الإبداعيـة بصبيب الكلمات كقطرات من دماء تسري في شرايين الشخوص فتبعث فيهم الحياة ، ويجعلنا نشعر  بالنفس الملتهب كالنحاس المذاب يقطر على جلد المستكبرين  ـ حتى وان كانوا غافلين لا هم يحسون ولاهم يشعرون ـ . ونشعر بإيقاع العبارات الذي يوافق نبض قلب الكاتب ونشعر بنفس إحساسـه وببعض لهاتـه  وراء صور الأحداث المتفلتـة من بين يديـه،  ونصغي مثلما يصغي لنبرة كل صوت يلتقطها بأذنـه المرهفة، ليجعل منها جملـة في حوار ... أو حكمـة أو فكرة ... أو صرخـة أو لعنة في وجـه الطغاة.
        نشعر ، وإذن نفهم سر ميل الكاتب إلى الاقتصاد اللغوي، وانحيازه للاختصار، وللجمل المقتضبـة  البليغـة.
       إنه كاتب الواقع.
       كاتب الفكرة.
       كاتب المبدأ والرأي.
       كاتب ثورة على القيود والحدود. ولعل أسوء أنواع القيود هي تلك التي لا يراها أسرى التصورات المسبقـة عن الكتابـة ، لأن هؤلاء يحرمون أنفسهم من مشاركـة الكاتب في رؤاه الخاصـة.
       معمر كاتب حر لا يؤمن إلا بالحريـة .. فهولا ينساق مع تقليعات الكتابـة ومواضعات النقـد. إذ ليس همـه أن يرضي حراس التشوير، وعلامات مرور، وقانون سير الإبداع الأدبي. أولئك الذين يجرون وراء موجات التجديد، حتى وان كان كل جديد عندنا مجرد تقليد بليـد لغيرنا.
       معمر يكتب بحرفية صارمـة وضوابط متقنـة.. وتلك هي حريتـه الخاصة في الابداع وجرأته القصوى، تلك هي ثورتـه على القيود والحدود. إذ ما حاجته لواقع مفترض إذا كانت للواقع "الفعلي" أوجه أبشع وأوجـع من كل ما يمكن أن نتخيل، وكانت لهذا الواقع أوجه أخرى ـ تلك المأمولة على الأقل ـ أروع وأوسع مما يمكن أن يتصوره كاتب خيال.
       إذن فالكاتب منحاز "للواقع الفعلي" ومنحاز لما ينوء به من محن وآلام وما يعتمل فيه من متمنيات وأحلام، ومنحاز للفقراء والمستضعفين .. منحاز للطفل الذي لم يعرف غير شظف العيش8، و للأم التي ترقب عودة وحيدها الذي بدونـه ليس لها من معيل9، للمرأة التي حملت صورة الابن على جبينها وعلى صدرها وقادت مظاهرة النساء10.. وللممثلة التي ذهبت للمسرح كي تبيع مرغمة جسدها المشتهى كبضاعـة مهربـة في معطف أحمر11.
       الكاتب منحاز علنا للحناجر المنكوبـة في أصواتها، انحيازا كليا، أوقل انحيازا إنسانيا شاملا .. أو قل انحيازا مثاليا.
        ـ وهذا ما يعطي لقصصـه ألقها وبريقها ـ.
       وإذا كان لكل كتابـة اختيارها الفنى والجمالي فإن اختيار معمر بختاوي الفني والجمالي هو أن يكون كاتب الإنسان/ الحريـة/ الكرامـة ضدا على كل أشكال البشاعـة والزيف والرداءة ، ضد القبح الذي استشرى في جسد الواقع وفي العقليات والأفكار، وعلى السنـة الناس وفي الكوابيس التي تراودهم بالليل والنهار.
       انه ملتزم كأديب بأن ينقل لقارئه صورة الإنسان في أصفى وأنقى وأرقى حالاته ـ"طفلا ثائرا ومواطنا حائرا أو مناضلا حالما بالتغيير"ـ، و صورة الانسان أيضا في أحط وأخس وأنذل حالاته ـ " زعيما وحاكما مستبدا متسلطا  ، جاثما لعقود على الأنفاس والصدور ليس يسمع لنبوءات كاهنـة أو عراف12، ولا لوزير أو مستشار13، ولا لواعظ أو معارض، مصرا على أن يسأل المارين بكل البلاهات الممكنـة عمن كسر أنفـه ومرغـه في التراب14.
       هي مرةً ثالثـة، ورابعـة، تسع وعشرون قصـة متساويـة في مقادير بنائها، تجمع بين تنوع الروافد الفنية ووحدة الرؤيا، تسع وعشرون قصـة تشغل مساحات قصيرة على الورق ولكنها في المقابل باتساع وشساعـة أحلام أمم وشعوب تتوق إلى التحرر والانعتـاق من جهلها وفقرها ومن سياط جلاديها  وقسوة زعمائها المزيفين ... ولعل ميزة هذه القصص هي في قصرها بالذات، إذ أنها بقصرها ذاك، قادرة على اختراق أستار وحجب الليل الذي هيمن بفجائعه على دول وأقطار وحرم أبناءها من حقهم في التقدم والعيش الكريم. والكاتب يستلهم من هذا الليل الوقائع السوداء لاغتيالات واختطافات عاشها أفراد وعاشتها شعوب ذات سنوات نحاسيـة أو رصاصيـة حالكـة، محفورة في الذاكرة وفي الوجدان و مخبوءة في الصدر و موشومة على الجبين.
       حيث كانت العلامات الفارقـة، في الفنادق الباردة للمنافي البعيدة والقريبـة، وجوه تلبس أقنعـة تفضحها، وطرقات على الباب تستعير فيها أيدي القتلـة المأجورين القفازات البيضاء لأيدي خادم الغرف. أيد تتقن فن التمثيل وتشخيص الأدوار المستعصيـة.
      " ـ عرفوا الحجرة التي كان يقيم فيها .. قرع أحدهم الباب
قال الغزواني :
ـ من هناك ؟
قال صوت مخنوق.
ـ خادم الغرف ياسيدي.
فتح الغزواني الباب، فاخترقت ثلاث رصاصات صدره"15
     وحيث كانت العلامات المميزة، في الأزقـة الضيقـة للمدن العتيقـة          "سيارات رماديـة ورجال ثلاثـة أو أربعـة".
           "ـ قرع الباب الخشبي قرعا متتابعا .. قال صوت من الداخل :
ـ من الطارق .؟
ـ خالتي فاطنـة .. ولدك اداوه ! ؟
ـ من أخذه.
ـ مجموعـة من الرجال.. في سيارة رماديـة.ـ "16
     يستلهم الكاتب من ليل الناس ذاك، وقائع اغتيال واختطاف ، ويستلهم من وقتهم هذا المضمخ بالدم والياسمين ، قصصا يسخر فيها من قائد طال مقامـه رابضا فوق ثلـة العناد والاستكبار17، ومن زعماء أصلاف أجلاف وبلا مشروعيـة يسرجون خيل الخرافـة والغباء ويدوسون البسطاء بحوافر التنكيل والتشريد 18.
       يشرح الكاتب شخصيـة الديكتاتور في عالمنا العربي كما يجب، يعريها ويضعها أمام المرآة.. مرآة الكتابـة19..
ـ ألسنا نجد في الكتابـة صورتنا جميعا .. صورتنا الجمعيـة ؟؟ـ
    يحيل الكاتب في قصصـه على أحداث حيـة وواقعية، لا تزال جراحها فاغرة تنزف بدماء الشهداء الزكيـة وتنز بقيح وصديد القبح والبشاعـة .. بشاعـة بلا قناع.
يحيل بشكل صريح على الجنون الجامح الأوحد للقائد الفرد الرمز المستأسد على الجماهيريـة العظمى 20.. ويحيل بالصراحة نفسها على لصي قرطاج الخضراء وفرعون أم الدنيا21.
 وبين الحكايـة والأخرى وقفـة للتأمل .. ووقفـة ثانيـة للاعتبار ..، وقفتان للتفكير ووقفة ثالثة للحلم بحلم ممكن.. حيث تنام على سرير الكتابـة حكمـة ما تنتظر طفلا ليقطفها أو يوقظها.. ويوقظ أجمل ما في الإنسان.. أو تنتظر كالمريد22 وكالابن23 (الأب / الشيخ) ليقودها في عتمات الليل الى صبح جديد أو يفك عن معانيها قيود الحديد.
       فلا عجب إذن أن تكون أول قصـة يفتتح بها الكاتب مجموعتـه عبارة عن درس حول أسباب الثورة...أسباب سيكتشف الفتى / التلميذ24 بأنها هي التي صنعت الوضع الذي هو فيه، فيلقي عند الفجر نظرة أخيرة على والديـه، يدير بصره في أرجاء الدار ويخرج ملتحقا بالثوار ..
وتكتشف الأم25 بأن الأم الحقيقيـة لطفلها هي تلك الثورة نفسها، تضع عينها على الطفل وكفها على قلبها وتراقبه وهو يدرس صفحات التاريخ و يحمل فوق ظهره صناديق الخيبات قبل أن يشعل جسده، لأنهم أخذوا عربتـه بدون استئذان ... وجروه بدون استئذان .. جردوه من ثوب آدميتـه ومن كرامتـه فصعدت روحـه معمدة بالنور والنار لتحلق في عالم الأرواح الى جوار الشهداء الأبرار. شاهدة بدورها على عصرها .
 لم يكن الطفل الذي درس التاريخ وحمل الصناديق غير "صاحب العربـة" وـ "أصحاب العربات يشوهون منظر البلد.. يقفون في وجه التقدم والتنميـة، يطردون السياح ويجرون الوطن إلى الخلف"26 ـ
هكذا قال الشرطي للطفل الذي أشعل جسده ليفضح زيف التاريخ.
وهكذا أيضا هو الوجه الخلفي للصورة ، يكتب معمر بختاوي عن الراهن، يواكب الأحداث والوقائع فور حصولها، وهي بعد طريـة ومرويـة بالحبر وبالدم. غير أن كتابـته / شهادتـه عن واقعـه ليست كتابـة/ شهادة عفويـة مرتجلـة، لأن ما يعتمل في أحشائها ذو جذور ضاربـة في ذات الكاتب..بل لعلـه "أي معمر" من بين الذين استشرفوا وقوع هذه الأحداث، فهو ابن طين هذه الأوطان وابن تربتها، وأبطاله أطفال ليلها27 وبشائر فجرها، فلا مجال لأن يفاجأ بما يقع لهؤلاء الأبطال/الأطفال وهو واحد منهم، إنه كاتب منخرط في الواقع، كاتب فاعل وقادر على أن يستوعب الأحداث مهما كانت راهنـة مستجدة، ويعيد صياغتها وتركيبها في معمار ابداعي يعكس رؤيتـه الفنيـة والجماليـة الخالصـة.
وإذا كان معمر بختاوي يتنفس هواء الواقع بكامل رئته وبكل مسام جسمه، وكانت كل حروف كلماته وكل جمله وعباراته تنضح بحبر الواقع ومائـه ودمائـه، فإن واقعيته ليست بالواقعيـة الحرفيـة الفجـة والمباشرة، وإنما هي واقعيـة تتوسل في تعبيرها عن ذاتها الخيال المخصب بضروب من الموروث الأدبي كالخرافـة والحكايـة والمقامـة .. إلخ .. مع قدرة عاليـة على بناء النصوص وتشكيلها، بناء وتشكيلا مسرحيا واضحا، وفق فيه الكاتب وهو المشبع بدراسـة المسرح وتدريسه والبحث فيه كل التوفيق، مما جعل كتابته واعيـة بفعلها ووظيفتها ودورها، بقدر ما هي واعية بأسلوبها وتقنياتها. وجعلها أيضا كتابـة تتجه إلى هدفها بهدوء وكياسة ولكن ببلاغة ثابتة وواثقة.
إنها كتابـة مدروسـة بعنايـة وليست كتابـة مرتجلـة.
والكاتب لا ينسج قصصه عفو الخاطر واللحظة وإنما يعمل الفكر بتأن وترو في موضوع كل قصـة وفي عباراتها.
وكتابـته تصبو إلى الارتقاء بوعي المتلقي ووجدانـه كما تصبو إلى جعل القارئ منخرطا في اللحظـة التاريخيـة التي يعيشها وطنه، فاعلا ومحركا للمياه الراكدة الآسنة، من أجل غد مجتمعي أفضل، يخرج منه أطفال الليل27 من ليلهم ويشرقون كالشمس في واضحة النهار...


************

لقد اعترفت في بدايـة هذا الموضوع بأن قراءة المجموعـة القصصيـة "المارد" قد أوقعتني في ورطـة حقيقيـة، وأنا أعترف الآن في نهايته بجميل الكاتب المبدع معمر بختاوي علي، لأنه أيقظني من غفلـة القراءة الأولى ... تلك القراءة الواحدة والأحاديـة التي تجعلنا نرى في العمل الإبداعي ما نعتقد أننا نراه فقط ... أي بعض أوهامنا ورؤانا وتصوراتنا التي نسقطها عليه .. بدل أن نرى فيه ما يريده الكاتب ونقرأ ما كتبه المبدع، و"المارد" عمل إبداعي لايفتح أبوابه للطارق من الوهلـة الأولى .. إنه يحتاج إلى قراءة ثانيـة وثالثـة ورابعـة .. كما أنه يحتاج الى متلق إيجابي وفاعل، يذهب في اتجاهـه ويقلب أوراقـه ليفوز من بينها بفاكهـة اللذة المشتهاة ... فخير الثمار توجد دائما بين  طيات الأوراق، وبعيدة عن الأيدي المتعجلـة ./.

بقلم : جمال الدين حريفي






الهوامش

1:- من مواليد مدينة بركان حيث تلقى تعليمه الابتدائي،انتقل الى مدينة وجدة لاتمام دراسته الاعدادية والثانوية.
ـ خريج المركز التربوي الجهوي بوجدة 1982
ـ خريج المدرسة العليا للأساتذة بفاس 1992
ـ حاصل على شهادة استكمال الدروس، 1995 كلية الآداب بفاس
ـ حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والمعاصر، كلية الآداب بوجدة 2003
  • صدر له:
رواية "أطفال الليل"( دار التوحيدي بالرباط 2010)
دلالة الخطاب في المسرح الهاوي (منشورات "كلمات" 2011)
المارد ، مجموعة قصصية (منشورات "كلمات"2011)
رواية "المطرودون"..2012
2 ـ مجموعة قصصية لمعمر بختاوي،الناشر كلمات للنشر والطباعة والتوزيع،طبعة أولى2011 ، لوحة الغلاف الفنان المغربي نجيب وردي.
3 ـ هي على التوالي : الفتى الثائر/ أم البطل / صاحب العربة / كاهنة قرطاج / كان ياما كان/ المدرب/ الممثلة والمعطف / رأيت في المنام / المقامة الفرعونية / المقامة البسوسية/ الزعيم / الزعيم وظله / الأبناء الأشقياء/ أبو الهول/ محاكاة/ محرك الدمى/ المارد /نهاية اللعبة / السيد الغزاوي / الرجل الكلب / موسم الأوسمة / جدار بغلين/ المولود الجديد/ الراحلون/ الشيخ والفتى / الولد الشقي / المخطوف/ صاحب المعطف / المؤتمر.
4 ـ المولود الجديد / المدرب...ص60/ص17
5 ـ محاكاة / حدار بغلين ...ص41/ص58
6 ـ كلمة عن المارد ص3
7 ـ رأيت في المنام..ص23
8 ـ الفتى الثائر..ص7
9 ـ أم البطل..ص9
10 ـ المخطوف..ص68
11 ـ  الممثلة والمعطف..ص19
12 ـ كاهنة قرطاج..ص13
13 ـ الزعيم ..ص29
14 ـ أبو الهول..ص39
15 ـ السيد الغزاوي..ص53
16 ـ المخطوف..ص68
17 ـ أبو الهول..ص39
18 ـ كان يا ما كان..ص15
19 ـ الزعيم وظله..ص33
20 ـ المؤتمر..ص74
21 ـ المقامة الفرعونية / المقامة البسوسية..ص25/ص27
22 ـ الشيخ والفتى..ص64
23 ـ الراحلون..ص61
24 ـ الفتى الثائر..ص7
25 ـ أم البطل ..ص9
26  ـ صاحب العربة..ص11
27 ـ احالة على رواية سابقة  بالعنوان نفسه للكاتب "معمر بختاوي"
                                        القنيطرة في:06/07/2012