Affichage des articles dont le libellé est محمد مباركي. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est محمد مباركي. Afficher tous les articles

31/07/2013

السّندباد


الإهداء إلى المبدع أحمد بوزفور بمناسبة تكريمه من قبل مدير مجلة ديهيا محمد العتروس بأبركان


في صبيحة باردة شاهدته في أبهى حلّة. يخرج في وقار من منزلهم الكائن بإحدى الحارات المغربية العتيقة، يلبس طيلسانا أبيض ودُرّاعة خضراء ويعتمر عمامة مكوّرة تدلّت ذؤابتُها بين كتفيه ويحتذي حذاءً جلديا بنيَ اللّون.ويحمل على كتفه جرابا ملأه بكومة من القراطيس البيضاء وأربعة أقلام من قصب ودواةَ حبرٍ صيني.
مشيت خلفه في دروب الحارة مسافة طويلة حتى انتبه إليّ، فتوقف عن المشي. تفرّس في ملامحي وسألني مستغربا:
ـ لماذا تتبعني يا هذا؟
أجبته:
ـ أريد الصُّحبة يا سيّدي.
قطّب ما بين عينيه سائلا:
ـ أوَ تدري مَقْصِدِي؟
قلتُ:
ـ أي نعم يا سيّدي.
ردّ عليّ:
ـ إنك لن تستطيع معي صبرا. اذهبْ إلى حال سبيلك فمشواري طويل. أنا ذاهب...
قاطعته قائلا:
ـ أنت ذاهب في بحث عن كلمة هربت منك يوما وتلاشت حروفها في هذا الكون. ذاك مقصدي أنا أيضا لكنّني أريد صحبتك فاصطحبني رجاءً.
أشاح بوجهه عنّي على غير عادته وكرّر عليّ:
ـ إنك لن تستطيع معي صبرا.
واصل طريقه يخيط أزقّة الحارات زقاقا بزقاق حتى المرفأِ حيث الباخرةُ الشراعيةُ المشهورةُ باسم "الشّمّاء" راسيةً في شموخ الكبراء. صعد إليها ولم يلتفتْ إليّ وكنت أوده أن يفعل. وقف على دَستور السّفينة ونظر بعيدا إلى الأفق. وتلى الآية الكريمة "باسم الله مجراها ومرساها" وأعطى إشارته للبحّارة بالإبحار. لم يكن البحّارة سوى مبدعين من وطني. عرفتهم واحدا واحدا من خلال ما قرأت لهم فأحبّبهم.
تحركت "الشّمّاء" ببطء شديد ومع تحركها تملّكني اليأس وخنقتني العبرات. وقلت في نفسي ضاع الأمل في الصّحبة. لكن فجأة توقفت السفينة ولم تكن قد ابتعدت كثيرا عن الرّصيف، رأيت الرّجل يقف على دَستورها ويلوّح لي بيده اليمنى ويناديني بصوت جهوري اختلطت نبراته بهدير الأمواج.من فرحي قفزت في الماء وسبحت بقوة حتى وصلت السفينة. رأيت الرّجل يمدّ إليّ يده الطويلة كيد عملاق وينتشلني من الماء. وقفتُ أمامه أرتجف من برودة ملابسي المبتلّة.ابتسم لي ابتسامة عريضة شجعتني على الارتماء عليه ومعانقتِه فبلّلتُ دُرّاعته وطيلسانه. تراجعتُ خطوة إلى الوراء في حياء قائلا:
ـ معذرة يا سيّدي معذرة.
******
أحسست ب"الولية" تهزّني هزّاً خفيفا. استفقتُ من حلمي الجميل، فسألتني:
ـ لمن كنتَ تعتذر؟
أجبتها:
ـ كنت أعتذر للسّندباد الصغير لسّي أحمد بوزفور


محمد مباركي

تصوير : م. تاغزوت

07/03/2013

الدّغموم

 قصة قصيرة جدا


قبل يومين من حلول عيد الأضحى، اشترى رجل  كبشا مليحا.. حين شاهدته زوجته صرخت فيه:
- أخرج عليّ هذا "الدّغموم"..
ردّ عليها:
- لا تتطيّري يا ولية!!
نتفت شعرها وكرّرت أمرها:
 - أَخْرِجْ عليّ هذا "الدّغموم".
أعاده إلى السوق.. باعه وخسر في ثمنه كثيرا..
حين مدّ يده إلى جيبه لشراء كبش أبيض اللون، كانت يدٌ خفيفةٌ قد سبقته إلى جيبه..
عاد إلى الدّار بوجه كالح، وقبل أن تسأله عن الأضحية، صرخ فيها:
 ..."أنت طالق"

محمد مباركي

إصدرات محمد مباركي
وطن الخبز الأسود -  مجموعة قصصية 2010
جدار  -  رواية 2011
الرقم المعلوم  -  مجموعة قصصية 2012

09/11/2012

تحليل قصة الطفلة نور لمحمد مباركي من مجموعة وطن الخبز الأسود




تعتبر القصة في العصر الحديث خير وسيلة للتعبير عن مجموعة من التفاعلات والقضايا المطروحة في المجتمع، والقصة لغةً الحديث والخبر، واصطلاحاً فنّ أدبيّ يهيمن عليه الخطاب السردي، ويتميز بوحدة الموضوع والانطباع والتركيز والتكثيف. وقد انتشرت بانتشار الصحف في عصرنا وأغرت الشباب والمتأدّبين بكتابتها مع أنها من أصعب الأنواع الأدبية وأحوجها إلى الخبرة والثقافة والدقة والتركيز... ومن أبرز روادها الغربيين موباسان وتشيخوف. أما العرب عبد الكريم غلاب، ومحمود تيمور، وصاحب هذه القصة القاص المغربي محمد مباركي، أستاذ مادة الاجتماعيات في ثانوية إسلي التأهيلية بوجدة، ومن أعماله السردية المجموعة القصصية "وطن الخبز الأسود"، ورواية "جدار". فإلى أي حد عكس النص العناصر الأساسية للفن القصصي؟ وما الوسائل الفنية التي اعتمدها الكاتب في القصة ؟ وما مدى حضور الاتجاه الواقعي فيها؟
انطلاقا من المشيرات الدالة، يتضح لنا أن النص اجتماعي، فالعنوان يشير إلى طفلة اسمها نور، ولا بد أنها موجودة في المجتمع. ثم البداية التي تشير إلى وجود مراسم الدفن وشدة معاناة شخص لفقدانه رفيقة العمر.
أما النهاية فتشير إلى استسلام هذا الشخص للقضاء والقدر واتخاذه الطفلة نور عزاءً له، لأنها تحمل كل مواصفات الفقيدة. ومن هنا فجميع المؤشرات توضح أن النص ذو طابع اجتماعي و يندرج ضمن فن القصة القصيرة.
تجسد هذه القصة حركية النثر العربي المعاصر وتمثل خصائص الفن القصصي وسماته، وأوّلها يتجلى في المتن الحكائي، حيث استهل الكاتب قصته بإبراز معاناة شخص على فقدان رفيقة العمر، حيث يشير إلى مراسم الدفن وإلى أجواء التعازي والحزن التي تغلب على القصة و بكاء البطل بحرقة حتى صار بكاؤه عويلا سمعه كل الناس، لكنه رغم هذا رضي بقضاء الله وقدره ثم عاد إلى المنزل وبدأ يسترجع معاناة الفقيدة التى كانت مصابة بمرض خبيث، حيث لم تنفع معه الأدوية المحلية ولا المستوردة، لأن المرض كان أقوى لم تستطع هَزْمَه، رغم رحلتها الطويلة إلى المستشفيات العامة والخاصة. حتى العاملون بهذه
المستشفيات هم شياطين القسوة إلا قليل منهم، ورغم محاولة الأهل والأبناء التخفيف عنه لكن أيامه أصبحت ظلمة حالكة، تساوى فيها النهار مع الليل، ليجد في الأخير عزاءه الوحيد في الطفلة "نور" التي تحمل كل مواصفات الفقيدة.
أما النموذج العاملي فقد زاوج الكاتب بين القوى الفاعلة المتكونة من الشخصيات بداية من الأب الذي فقد زوجته، وأبرز سماته في النص: حزين وكئيب ومتحسر على فقدان زوجته. والطفلة نور: التي تجسد الأمل والنور، وهما العزاء الوحيد للأب. ثم العاملون بالمشفى: شياطين القسوة. والفقيدة: ومن سماتها المعاناة من المرض، والخشوع والخضوع لله، والاستسلام للموت. ثم الأخت والأبناء: الذين يسعون إلى التخفيف عن الأب. ثم القوى الطبيعية مثل السماء المُلبّدة بالغيوم، والظلمة الحالكة، والصخر… كما نجد بعض الأحاسيس كالحزن، والكآبة، والحقد، والحسرة، والحب، والأمل.إضافة إلى بعض القيم والأنساق الفكرية المتمثلة في الأمل و الرضى بقضاء الله وقدره خاصّة.
أما البنية العاملية فيمكن تحديدها وفقا للترسيمة الآتية :
المرسل إليه :وفاة رفيقة العمر
 الموضوع :شدة المعاناة واتخاذ نور أملا
المرسل إليه :السارد/ المتلقي/ المجتمع
العامل المساعد: الطفلة نور / الأهل / الأبناء
الذات :السارد / البطل
العامل المعاكس : المرض الخبيث / المستشفيات / شياطين القسوة
وقد قامت البنية العاملية في القصة بوظيفة جوهرية تجلت في بيان نوع العلاقات بين محتلف الأطراف في النص، وذلك على المستوى الأفقي: (المُرسِل- المُرسَل إليه) و(العامل المساعد- العامل المعاكس)، وعلى المستوى العمودي: (الموضوع- الذات). كما أنها أضفت أثرا جماليا ظهر في تأكيد أفق انتظار المتلقي.
لننتقل في الخطوة الآتية إلى الحوار الذي حضر بنوعية الداخلي والخارجي، مع هيمنة واضحة للأول، فالحوار الداخلي حضر بقوة داخل القصة ويظهر من خلال حوار البطل مع ذاته. أما الحوار الخارجي فتجسد في حوار البطل مع المعزين رغم أن ردّه كان همهمات فقط، وفي حواره مع الأهل والأبناء عند إخبارهم له بأن الحياة مستمرة. وقد كان لهذا الحوار بنوعيه الداخلي والخارجي وظيفة هامّة في تفعيل الأحداث، إضافة إلى أنه كشف عن الصراع النفسي الحاد للشخصيات وبخاصة شخصية الأب الذي يعيش تأزماً واضطراباً نفسيين.
بالنسبة للفضاء المكاني نجد أولا المقبرة وهو المكان الذي تمت فيه مراسم الدفن والقبر، وهو يمثل مكانا موحشا بالنسبة للبطل، لأن الموت سرق منه زوجته وهي موضوعة هناك. ثم نجد المنزل وهو الفضاء الذي فيه كل الذكريات المظلمة للفقيدة، إذ إنّها تكبدت فيه أشد المعاناة، وكذلك بالنسبة للزوج. ثم تجد المستشفيات والمصحات وهي مكان للعلاج الذي للأسف لم ينفع الزوجة هنا، وهو مكان يضم شياطين القسوة، شياطين لا رحمة فيهم.
أما غرفة النوم فغالبا ما تدل على فضاء حميم، لكن غرفة الفقيدة في القصة كانت على العكس من ذلك، حيث إنها صورت جميع أشكال معاناتها. وأما بخصوص الفضاء الزمني فقد تنوع في القصة بين زمن سرديٍّ يتميز بتوظيف الاسترجاع الذي يظهر في استرجاع البطل لمعاناة زوجته وصراعها المرير مع المرض، وهذا الاسترجاع يهدف إلى خرق أفق انتظار المتلقي حيث خلخل الكاتب تسلسل الأحداث المنطقي، وزمن فزيائيّ حضر من خلال المؤشرات الآتية: الليل- النهار- السماء- ظلمة حالكة. وزمن آخر نفسي جسد ذات البطل وكشف عن الحالات النفسية التي اعترتها.
يحكي القاص محمد مباركي أحداث القصة وفق منظور سردي مترابط، وباستثمار الخطاطة السردية يمكن تقطيع النص إلى المقاطع والمتواليات الآتية : الوضعية الأولية (وضعية الانطلاق والبداية) ترصد معاناة البطل و تضعنا أمام مراسم الدفن. الوضعية الوسطى: (سيرورات الحدث) والتي تشمل ثلاثة مكونات: العنصر المخل وهو المرض الخبيث الذي أصاب الفقيدة، ثم تطورات الحدث: استرجاع الزوج لمعاناة زوجته، وعنصر الا نفراج: محاولة الأهل والأبناء التخفيف عنه. وأخيرا (الوضعية النهائية) اتخاد البطل الطفلة نور عزاء له وأملا، وقد ساهمت الخطاطة السردية في مساعدة المتلقي على فهم العناصر الضرورية للقصة وتأويلها، وأما أثرها الجمالي فيظهر في الإيهام بالواقعية من خلال التركيز على أحداث واقعية. وأما فيما يخص الرؤية السردية فهي رؤية من الخلف؛ لأن السارد عالم بكل شيء، وضمير السرد هو ضمير الغائب، وأشكال الوصف جمع الكاتب بين السرد والوصف . أما السارد فقد قام بوظيفتين: الأولى سردية، وتظهر من خلال سرد الأحداث وفق منظور سردي، والثانية اجتماعية تظهر في تعاطفه مع الفقيدة، ونبذه للواقع السلبي الذي يمثله شياطين القسوة.
بالنسبة لهذه القصة فهي ابتدأت بوضعية مضطربة، واستمر الاضطراب في الوسط مع بعض التغيرات، وانتهت بنهاية ليست سعيدة، ولكنها مستقرة. بينما قصة "دم و دخان" ابتدأت بوضعية مضطربة، وتغيرت في الوسط، وانتهت بنفس النهاية.
في الأخير يمكن القول إن هذه القصة "الطفلة نور" للقاص المغربي محمد مباركي قد توفرت على تقنيات سردية متنوعة من متن حكائي صَوّر مشكلا اجتماعيا مؤرّقاً، وحوار داخلي وخارجي ساهم في توضيح ملامح الشخصيات وتطور الحدث، وزمن ومكان أطَّرا أحداث القصة تأطيراً مناسبا، وخطاطة سردية محكمة. كما أن هذه القصة جسدت الاتجاه الواقعي بقوة، حيث كان له حضور لافت. أما الكاتب فقد استطاع تبليغ مقصديته بشكل واضح، وبالتالي استطاع أن يمثل فن القصة أحسن تمثيل وهو نموذج واضح لرواد هذا الفن بكل المقاييس.

                                                                                                           إنجاز:  فاطمة الزهراء مرزوقي




محمد مباركي ¤ لقطة من بركان

29/07/2012

من حفل توقيع الرقم المعلوم

من اليسار إلى اليمين
ذ. يحيى بزغود ¤ ذ. عبد الحفيظ مديوني  ¤  ذ.محمد مباركي  ¤ ذ. حسن عزيماني



ذ. عبد الحفيظ الخلّوفي




تذكار أهداه الفنان فريد كومار للقاصّ محمد مباركي




بعد التوقيع
في إحدى مقاهي شارع ابن سينا

لقطات من حفل توقيع المجموعة القصصيّة : الرقم المعلوم للقاصّ محمد مباركي، الذي نظمته جمعية أبركان للثقافة والتراث، يوم السبت 28 يوليوز 2012، بعد صلاة التراويح، بالمركز الاِجتماعي للقرب، الكائن قرب المكتبة البلدية، بمدينة بركان، والذي سيّره ذ. عبد الحفيظ مديوني، وأسهم فيه الأستاذان يحيى بزغود وحسن عزيماني بمداخليتهما المتعلقتين بالعمل الإبداعي المحتفى به، وذ. عبد الحفيظ الخلوفي بتقاسيم على العود. ... ويشار إلى أن ثلّة من مبدعي جرادة ووجدة قد حضرت هذا الاحتفاء الإبداعي ... ومدوّنة البستان الشرقي تحيّي بحرارة كلّ الذين عملوا، بشكل أو بآخر، على إنجاح هذا النشاط الثقافي الذي يبرز الوجه المشرق لمدينة بركان.


26/07/2012

القاص محمد مباركي في ضيافة البستان الشرقي


مواصلة لقاءاتها بمبدعي الجهة الشرقية من وطننا العزيز، تستضيف مدوّنة البستان الشرقي الأستاذ الأديب محمد مباركي، الذي أثرى المتن السردي المغربي بمجموعتين قصصيّتين ورواية واحدة، فمرحباً به .




1          هلاّ قدمتم، لزوار البستان الشرقي، نبذة عن سيرتكم.

محمد بن عبد الله مباركي من مواليد 06 مايو 1959 بمدينة سيدي بلعباس بالجزائر.
في خريف 1968 عانقت وأسرتي أرض الوطن العزيز بعدما خلفنا قبر الوالد في البلد الجار كرقم مندسّ في رقم المليون ونصف شهيد.
درست  بمدرسة "ابن بسام" بحي الطوبة الخارجي، وإعدادية باستور وثانوية عبد المومن. حصلت على البكالوريا في 1980. التحقت بالمركز التربوي الجهوي بوجدة تخصص تاريخ وجغرافيا. تخرجت منه في 1982 . عملت في الناضور وتاوريرت ثم  التحقت بالمدرسة العليا للأساتذة بفاس في 1990 وتخرجت منها في 1992. تعينت بثانوية النهضة بأحفير  حتى سنة 2005 ثم  انتقلت إلى وجدة  إذ أعمل الآن بثانوية إسلي التأهيلية.

2   ما الذي دفعكم إلى عالم الكتابة؟

كنت دائما أحسّ بمارد في داخلي يحرضني على الكتابة منذ كنت تلميذا.
الدافع إلى الكتابة كان دائما هو ذلك الهمّ الذي أحمله في داخلي وأراه مرسوما على وجوه المقهورين من أبناء وطني الغالي الذين أحمل لهم في قلبي حبا خاصا، فكانت الكتابة متنفسا لجنون يصيبني حين أعجز عن ردة فعل أمام القمع بكل صوره الظاهرة والباطنة. وخاصة تلك التي تكمن في لاوعيي، لا زلت أعاني منها لحد الساعة.
أنتشي بالكتابة لنفسي انتشاء صبي يوم العيد.
مِلْتُ إلى الكتابة في القصة والرواية باعتبارهما خير قناتين أصرف عبرهما ما بدواخلي.

3        حدّثونا عن تجربتكم مع النشر الذاتي.

أول تجربة خضتها في النشر الذاتي هي حين نشرت مجموعتي القصصية "وطن الخبز الأسود" في مايو 2010. طبعت منها 500 نسخة وزعتها على القراء مجانا. لامني الكثير من الإخوة على هذا التصرف. وحق لهم ذلك. واصلت  نشر أعمالي:
 رواية "جدار" في مايو 2011.
المجموعة القصصية "الرّقم المعلوم" في مايو 2012.

4        هل لكم أن تذكروا لنا بعض الأعمال السردية التي أثّرت في تجربتكم الإبداعيّة؟

أولها كتابات العملاق نجيب محفوظ وثانيها كتابات عبد الرحمن منيف إضافة إلى كتابات زكرياء تامر وأحلام مستغانمي وأنطون تشيخوف وغوغول وغي دوموباسان وجورجي أمادو وغيرهم.


5   ما انطباعاتكم عن الحراك الثقافي في الجهة الشرقية من وطننا ؟

    من خلال تتبعي للمشهد الثقافي في الجهة الشرقية اعتمادا على مقتنياتي من الكتب واعتمادا على البيبلوغرافي د.محمد يحيى قاسمي في دراسته الأخيرة ألاحظ زخما من الإصدارات في مختلف الأجناس الأدبية من شعر وقصة ورواية ومسرح. وهذه ظاهرة صحية في غياب الدعم الرسمي، فأغلب المبدعين يعتمدون على جيوبهم  في إصدار إنتاجاتهم. وبالكاد يتمكنون من إرجاع بعض المصاريف من خلال التوقيعات التي تنظمها الجمعيات والمقاهي الأدبية مشكورة.

  6   ما هواياتكم، غير الكتابة؟

أهوى القراءة التي أعتبرها وقود الكتابة.
أهوى رياضة المشي في المرتفعات مع ثلة من الأصدقاء من أحفير. قطعنا تقريبا كل مسالك جبال بني يزناسن الشامخات.

أشكرك أخي جمال على هذه الاستضافة في بستانك الشرقي. وإذا كنت قد سميته بستانا
فيستحق هذه التسمية.





أعدّ الحوار : جمال الخلاّدي

22/07/2012

أطول رسالة


كتب بنفس القلم مواصلا:

 "حوليني إلى نخب أحمر، يسري في شرايين جسدك حتى القلب الممنوع من صرف النبضات إلى غيري.. حوليني إلى غسق هارب من نهار متعب مهموم من ضوضاء الباحثين عن رغيف مضمخ بالعرق والتعب.. حوليني إلى مرهّم حليبي اللون، به اُمسدي جسدك البرونزي وتمددي تحت مظلة عريضة واهربي من لسعات شمس يوليوز المتحالفة مع رمال الشاطئ الملتهبة. وافتحي ذراعيك لدفقات نسائم المساء، تمسح عن وجهك بقايا نعاس قيلولة معتادة في صيف الأنس..
 حوليني إلى كـُحْلٍ أغرقي به رموش عينيك صباح مساء وأطبقي عليه جفنيك اللّوزيين.. يا من تربعت على عرش قلبي العمر كله..
 حوليني إلى صولجان ذهبي  ملوكي وحركيه بالأمر والنهي..
 حوليني.. حوليني إلى ما شئت.. يا من قمتُ لمقدمها على قدمي.. وأعيى قدمي الوقوف ببابك ثلاثة عقود.. يا نوري.. يا ندمي على ما فرطت.. يا نايي الحزين، أعزف به لحن الخلود بين فجاج طويلة كأروقة سجن.. أنت سجني في منفاي الاختياري.. جزيرة نائية وسط بحر الظلمات.. أنت بحر.. مَدُّك ِ أمل وجزرك يأس.. يا من.. يا من..."
بهذه الكلمات واصل كتابة أطول رسالة في كـُُنّاشٍ ضخم يشبه كنانيش العدول.. كتب أول سطورها يوم 11/04/1979 على الساعة العاشرة ليلا.. كان جوّ تلك الليلة الربيعية دافئا. إذ انحبست غيمة خرساء بكماء في كبد سماء "وجدة" الغارقة في كبرياء أميري والرافلة كعروس في حايك "لَمْرَمَة". منقبة بنقاب تلمساني قصير.. يخفي الخدين النورانيين، متعمدا، ليبرز العينين الكحيلتين كعيني "مها" في أهوار ذجلة والفرات.
من يومها والرسالة تبتلع سيولا من الكلمات، وتطول وتطول معاندة سطور صفحات الكنّاش الضخم. تنساب في دفق مياه شلالات "أوزود".. راسمة لوحة طبيعة، امتزجت فيها روعة الخلق والناس.
زرته في ذلك المساء.. طرقت باب شقته.. جاءني صوته المبحوح من بعيد، كمن يستغيث من قعر بئر عميقة.. سأل:
- م.. من.. يطرق باب قبر منسي؟
وكان صادقا. كنت أنا زائره الوحيد بين الفينة والأخرى، في شقة من آخر طابق لعمارة سيّجت السلطات واجهتها وأمرت السكان بإخلائها، فأخلوها، لكن صاحبي رفض الأمر وقال للمسؤول:
- لم أُنهِ الرسالة بعد.. عُدْ بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة.. أو لا تعد أصلا.
نظر إليه المسؤول ولم يفهم كلامه وانصرف قائلا:
- تحمل مسؤوليتك في روحك إن زهقت!
كانت تجمعني بصاحب الرسالة صداقة قديمة من أيام الدراسة. كنت أتردد عليه في الشقة ذاتها والعمارة ذاتها. وكان يتردد علي في مسكننا بأقدم حي مقصي في أطراف المدينة.. عشق كلانا مسكن الآخر. أنا أحببت الشقة المعلقة بحجراتها المربعة ورواقها العريض وأفرشتها وستائرها ولوحاتها وموقعها وسط المدينة.. وأحبّ هو مسكننا الفسيح بفنائه الواسع وحجراته الأرضية الطويلة.. قال لي يوما:
 " أنتم تملكون السماء والأرض وماء البئر. أما نحن..."
وسبّ العمارة وساكنيها.. وتمنى أن يسكن مسكنا مستقلا، رسمه لي على ورقة في غفلة من المعلم.
ثابرنا في الدراسة ونِلنا الشواهد وتوظفنا في أسلاك الدولة.. عمل صاحبي في السلك الدبلوماسي كملحق اقتصادي بإحدى سفاراتنا في أوربا الشرقية.. أحبّ البنت البكر للسيّد  السفير.. كانت تدرس الصيدلة. اعترض طرقها يوما، ليبوح لها بمكنون قلبه، لكنها صدّته بشراسة وألبت عليه السفارة.. وبجرة قلم من اليد الكريمة للسيّد السفير المحترم، الذي ثار لكريمته الموقرة، تمّ إرجاع صاحبي إلى الوطن ليكتب أطول رسالة، ربما لن تقرأها المعنية بالأمر.
قال لي هذا الصباح إن روحه تفيض كل ليلة من جسده وتهيم في الكون الفسيح تبحث عنها.
قلت مازحا: "من؟".
قال: "لا تمزح!" .
قلت: "هل وجدتها؟".
 قال: "نعم".
 قلت: "أين؟".
 قال: في " ﯕيليز " بمراكش.. تسكن وأسرتها في الطابق الأول وتعمل في صيدليتها بالطابق الأرضي.
كدت تصديقه، كان يتكلم بيقين.
 قال:  إذا لم تصدقني - وعليك ألا تفعل - اِذهبْ إلى " ﯕيليز " بمراكش وهاك العنوان وسترى".
كنت أعلم أن صاحبي لم يغادر "وجدة" ولم يسافر إلى مراكش ويعيش وحيدا صحبة قنينة وقطة مرقطة بالأبيض والأسود..
وتساءلت:
"هل ينطق بلسان حاله أم أصيب بمسّ؟".


 محمد مباركي



                                                      عن المجموعة القصصية   :  الرقم المعلوم

14/06/2012

دراسة لرواية "جدار" : مرافعة ضد ما يحجز إنسانية الإنسان

  
العتبات الموحية:
الصورة: جدار صغير يفصح عما وراءه أكثر مما يفصح عما دونه... وفي ذلك إيحاء بالوظيفة القدحية للجدار المعنوي .
العنوان:
جدار، جمع جدر وجدران وهو الحائط أو الفاصل ويفيد معنى الحجز سواء كان ماديا او معنويا فيقال:‘‘ بينهما جدار من الخصام والحقد‘‘  ويقال:‘‘ جدر الرجل إذا توارى‘‘
وقد ورد الجدار غير معرف مما يفيد الجزء من الكل بمعنى أن الأمر يتعلق بجدار من بين جدران لا حصر لعددها. ولكنه ليس أي جدار إنه جدار السي احمد الذي تمحورت حوله كل حياته بأفراحها وأحزانها . لكل منا جداره الخاص فمنا من هو مسكون بجدار الصمت ومنا من هو مسكون بجدار الحقد، أو الميز، أو الفقر... فما هي خصائص جدار أو جدار سي  احمد؟ وما نوعها أو أنواعها؟

يقول في الصفحة 11:‘‘ وتذكرت مكانا أكرهه. كان هو ‘‘الجدار‘‘ الملعون شق صدر منزلنا العتيق نصفين متساويين....حجب الملعون عني الوجه الملائكي لفاطمة الصغيرة، بنت عمي...بنوه من الحجر الصلد، ليعمر أجيالا. هذا ما قالوه في معركة انخرط الكبار تحت أنظار الصغار القلقة والسبب، تفاهات عرت قصر عقولهم المحمومة بالحقد الدفين أدهشتها نحن الصغار.
رصصوه بالإسمنت المسلح والخرسانة. بنوه عاليا تعدى سطح المنزل العتيق، وغرسوا في أعلاه شظايا الزجاج الأبيض والأخضر والأحمر. وما عاد منزلنا العتيق كما كان. حولوه إلى سجن بعنبرين.ص15
الجدران معرة الأشقاء، أينما بنيت حولت البيوت العريقة إلى سجون. ص88
أيها الجدار الملعون تحولت إلى هم أبدي. حمل والدي عصبك إلى مثواه الأخير، واعيش أنا خزيك لحظة بلحظة . أنت مشكلة. أنت قضية. ص108
ولما فتحت الباب الخشبي تراءى لي الجدار الملعون. كان شامخا كالطود العظيم. رأيته يعلو حتى بلغ عنان السماء يزاحم النجوم. وكنت صغيرا في تماس مع حجم البعوض...ص129

تعددت معاني الجدار وتناسلت عبر التقدم في أدغال النص المشوق والممزق بين الصفاء الأولي الفطري للإنسان وملامح التشوه التي ترافق تحوله إلى كائن مستهلك للمدنية. فما هي وجوه هذا التنوع وما هي الجدران المتوارية وراء جدار سي احمد؟؟؟

 العمر جدار:
وتركوني قائما ممزقا بين زينب ، وقد فصلني عنها فرق الأعوام التي بيننا، وفاطمة الصغيرة وقد فصلني عنها الجار الملعون.ص26
التمدن جدار:
ـ أنتم لا تصنعون مثل هذه الفرجة في المدينة؟
رددت عليه
ـ يكفي أن نبني الجدران بالحجارة الزرقاء. و الإسمنت المسلح والزجاج..ص29
الأسرة النووية جدار:
انقسم المطبخ بأوانيه ولذة طبخه ص87
ـ السفر جدار:
‘‘الماشينا الي اديتي خويا جيبيه ولا لحقيني بيه‘‘ص49
وأسمعها تناديه في الجرة: آآآ سعيد ويتردد الصوت في الجرة مبحوحا مثخنا بجراح الفراق..ظننتها قريبة من الجنون لا محالة.ص67
غاص القطار في سحابة دخان أسود اختلط بصفير حاد ينبه الخلق لسطوته وجبروته الفولاذية . ابتعدوا عن خطيه المتوازيين إلى ما لا نهاية...ص 205
ـ الموت جدار:
والموت في الرواية نوعان:
جسدي كما جان من موت الوالد، وزينب وعبد الباقي، ومعنوي كما كان من موت العم والأخ سعيد.
الوالد: تحول ذاك الذي كلن اسمه والدي جثمان بارد إكرامه هو الإسراع بدفنه في قبر بعلامة ترشدنا غليه إذا تهنا بين قبور منسية..ص46
عبد الباقي: رأيت ما تبقى من شخص اسمه عبد الباقي يتمسك بخيط رقيق يفصل بين الحياة والموت. وتعمدت البقاء بجواره لأرى كيف سيغادر هذه الدنيا وهو ما زال معلقا بها...ص225
الأخ سعيد: وقع أخي برسالته تلك شهادة وفاته، وصليت عليه صلاة الغائب ووقفت على قبر مجهول في مقبرة مجهولة وأبنته بكلمات نزلت من فمي كالحمر. حرقت لساني وشفتي وذقني وملابسي الداخلية وشعر صدري..ص74
يا احمد، أخوك مات في رسالته الأخيرة خنزيرا متشردا، تصدق موته تارة وتكذبها تارة . ما هذا الهراء؟ أخوك مات صدق! ...ص159
العم: عمي مات حيا يا ما...ص75
الفوارق الاجتماعية جدار:
ـ تملكتني الدهشة والخوف وأنا أقف أمام بابها الفولاذي، بدفتيه العريضتين...يتوسطه باب صغير يعلوه كوة مربعة تفتح على قضبان حديدية ...ص53
ـ ماذا دهاك أيها الشاب الأمرد؟ هل أنت عاقل أو مخبول؟ لماذا تركت حور المدينة خلفك وجئت لتتزوج من هنا؟...ص61
الثقافة والأعراف جدار:
أرسل لي يوما صورته صحبة فرنسية في لباس البحر. ظهر فيها يحمل جعة بيده اليمنى وسيجارا كوبيا بيده اليسرى...رميتها في الكانون.ص72
منذ وطأت قدمي هذه الأرض. كنت أحس بذلك الخيط الذي يربطني بكم يترقق حتى عاد كخيط عنكبوت في العتمة.ص73
الجنس جدار:
فعقدة عمي وزوجته كانت في إنجاب الولد. ص80
خرجت ليلى مبكرة إلى عالم تحاسب فيه النساء دون الرجال على صنيع مشترك مقرف. ص219
الدين جدار:
كان الفيلم هنديا يصور مأساة شعب مزقته الديانات والأعراف إلى كبقات منغلقة لا تسمح للإنسان بالارتقاء الاجتماعي....ص208
التخلف جدار:
ـ من الكفار بقيمة الإنسان؟هم أم نحن؟ (قويدر لقرع)
ـ لماذا تقدم الآخرون وبقينا معرة الأجناس؟ ص212
الاستبداد السياسي جدار.
ـ فهمت مغزى كلام والدي الذي شاهد من بعيد كيف تهارشت الكلاب على هذا الوطن الغنيمة وأرهبت كل من قال ‘‘ الشعب يريد الحرية والمساواة والكرامة والخبز‘‘ أرهبته بسنوات الرصاص والحديد والنار. واتهمت خيرة الشباب باسم كل ما من شأنه.ص202
ـ نال حقه من الاستقلال المغشوش في معتقل سري أربع سنوات...ص203
ولائحة الجدران طويلة لا حد لها...لكل منا جداره الخاص الذي يحجز إنسانيته ويمنعه من الاستمتاع بطبيعته الطيبة الهادئة السعيدة ...الإنسانية.
كيف قدم المؤلف هذه الأفكار وفي أية حلة أسلوبية لفها ؟ وهل من علاقة منطقية بين المضمون الذي تحدثنا عن بعضة سابقا والصيغ الأسلوبية التي اختارها؟ وإلى أي حد توفق في ذلك ؟
إذا كنا اخترنا كعنوان لهذه القراءة ‘‘مرافعة لصالح الإنسانية‘‘ فذلك لا يعني البتة أن الرواية قدمت في أسلوب تقريري، خطابي، مباشر...بل على العكس تماما. أطلعكم في هذا المضمار على جملة كتبتها للأخ المبدع  محمد امباركي عندما قرأت الرواية أول مرة:‘‘ أحسست وأنا أنهي نصك الرائع أو سيلا من الطفولة يتسربل بين أصابعي وأني تشبعت من طاقة إنسانية سخية.‘‘ كيف ذلك؟ ما الذي جعل الأسلوب بهذا التأثير؟
أولا: التسامح، فالشخصيات ليست شخصيات بالمعنى الكلاسيكي النمطي، بل هي شخصيات آدمية تنطوي على التناقضات وهي مقبولة كما هي وموظفة كما هي دون أحكام مسبقة ولا أحكام قيمة.
ثانيا: التركيز على الحدث لا على الحيثيات. تبدو شخصيات الجدار كأنما تحركها قدرية ما. تارة تكون اجتماعية (كما هو الحال بالنسبة لليلى) وتارة قيمية أخلاقية (كما هو الحال بالنسبة لسي احمد)، وتارة إديولوجية فكرية (بالنسبة لسعيد)
مثال على المواقف المليئة بالتسامح والإذعان للأمر الواقع.
ـ أنا لا أعود إلى الوراء أبدا
ـ خير ما تفعل يا سي احمد لكن اعلم أنني أحببتك من كل قلبي رغم كونك كنت ‘‘عابر سرير‘‘
ـ جئت لأعرض عليك الزواج
ـ كنت ستجدني رافضة للأمر
ـ لماذا؟ فالزواج شتر والله غفور رحيم
ـ سكتت مخنوقة. صافحتني وانصرفت مرددة ‘‘ الله يسعدك‘‘ ص 173
أسلوب فيه من الطيبة والتسامح والخير والطهر الروحي ما يسمح بمسافة شاسعة من التطهر من الحقد والحسد وحب التملك والأحكام القاسية ...

 الأستاذة سعدية السلايلي

(روائية وناقدة)


 سعدية السلايلي
وجدة : 02 يونيو 2012