Affichage des articles dont le libellé est قصة قصيرة. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est قصة قصيرة. Afficher tous les articles

11/10/2014

ذاتَ... حُلمين : قراءة في كتاب " ضحك كالبكاء



                                       "ذاتَ... حُلمين"
                              قراءة في كتاب
" ضحك كالبكاء * "
                                لمؤلفته الدكتورة
" مريم لحلو * "

                                                             بقلم :
جمال الدين حريفي



        *ـ  ذاتَ... حُلمين :

حلمٍ أدبي جميل، رأيت فيه سمكة المعنى تنساب برشاقة في ماء الكتابة، تصل إلى منتهى الأخذ بالأنفاس ثم تعود إلى قطرة البداية من جديد، وكأنها تقدم لوحات ساحرة لتفتن الأنظار. وسمعت مع كل ذهاب وإياب للجمل والعبارات موسيقى رقيقة تجلو الهم وترهف الإحساس .
رأيت وسمعت وأنا أتأمل اللوحات الساخرة للأديبة  مريم لحلو ما يراه المستغرق في أحلام اليقظة.
رأيت المعنى ينساب كسمكة في ماء الكتابة، وسمعت إيقاعا للكلمات أشبه ما يكون بإيقاع معزوفة ألفها مبدع متمكن من أدوات الصنعة وفنونها.
ثم في حلمٍ ثان، رأيتني أضحك ملء  حواسي كلها وملء  مسام جلدي، أضحك ملء صدري وحرقة كبدي على نماذج من السلوك البشري ابتلي بها مجتمعنا، فصارت تنخر بنيانه وأسسه كالسوس وتهدد البناء بالسقوط في أي لحظة..(وليس يقوم بنيان عشش السوس في أركانه وحيطانه). وما أكاد أنتهي من الضحك على فصل من فصول مهازلنا الاجتماعية حتى تهزني موجة بكاء صامتة..فأستغرب لأمري، كيف أضحك بصخب وأبكي في صمت، ولا يفعل ذلك إلا من كان مصابه قويا شديد الوقع والأثر.
ذاتَ... حلمين إذن.
حلم أدبي وحلم اجتماعي، وجدتني ممسكا بين يدي كتاب " ضحك كالبكاء" لمؤلفته الدكتورة والأديبة المتألقة " مريم لحلو ".
فالحلمان كانا واقعيين.
كنت أحلم وأنا أقرأ اللوحات الساخرة التي نجحت الكاتبة في رسمها أيما نجاح ، أن أقرأ أدبا جميلا وأن أتوغل بعيدا في شعاب الأعطاب الاجتماعية ،وكذلك كان.
لقد استطاعت الكاتبة أن تجعل من نقد المجتمع موضوعا يستحق الكتابة ، كما استطاعت أن تجعل من كتابتها عن المجتمع أدبا يستحق القراءة ، فجمعت بين الأدب والمجتمع، وبين الكاتب ومسؤوليته الاجتماعية جمعا يستحق التنويه والإشادة.
وما كان لي ولن يكون لأي قارئ أن يستمتع بهذين الحلمين إلا  لأنهما كانا في الأصل حلمين للكاتبة نفسها .
حلمت الكاتبة " حلم اليقين" بأن تبدع نصوصا مكتملة البناء تامة التناسق قوية التأثير، وقد كان لها ذلك.
وحلمت بأن تناضل بقلمها للكشف عن عيوب المجتمع وأمراضه ،ولفضح الأنذال الذين حَوَّلوا كل إشراقة أمل إلى عتمة، وكل بقعة ضوء إلى ظلمة ، وقد كان لها ذلك أيضا .
فأحسنت الصنعة الأدبية، وأتقنت النقد الاجتماعي، وجمعت بين الحسنيين ، مؤكدة  أن الأدب ليس ترفا نتسلى به أوقات الفراغ، وإنما  هو وسيلة ناجعة وأداة فعالة للارتقاء بالوعي والذوق وبناء الوجدان وإصلاح الأعطاب دون أن يسقط في لغة البيانات السياسية  أو الخطب المنبرية أو مواعظ  النصيحة ، وذلك هو الرهان الصعب الذي ربحته الكاتبة فحافظت على أدبية السرد وأوغلت في تضاريس النقد ، وأمتعت واستمتعت، جازاها الله خيرا.

  *ـ  إحدى عشر لوحة / تسعة نماذج بشرية:

تفتح الكاتبة باب معرضها العجيب في وجه الزوار لكي يتأملوا إحدى عشر لوحة من النقد الاجتماعي الساخر، " بل وبالتحديد تسع لوحات ساخرة ووصفتين، واحدة للنجاح المستحيل
(1) وأخرى للشهرة الزائفة(2)." (وقد نعتمد تصنيفا غير هذا في حينه )
فالكاتبة ترسم بمهارة الفنان المتمكن على قماشة الورق وبحبر من الألوان الشفيفة الدقيقة الحادة ، مسارات تسعة نماذج بشرية أصبحت اليوم ظواهر /مرضية اجتماعية مكتملة المعالم والخطوط ، وصارت لها أعراض قابلة للتشخيص وتداعيات غير قابلة للحصر، بل صارت مستعصية على إي علاج " إلا البتر " بعد أن  كانت ذات وقت "شريف" مجرد حالات طارئة على جسد المجتمع يشار إليها بإصبع الإدانة والاتهام ، وتُدفع دفعا إلى حافة الطريق مفسحة المجال للشرفاء والطيبين من الناس.
نماذج كانت تتستر على  بلاويها حتى لا تنكشف فضائحها ولا تفوح روائحها فتزكم الأنوف ، فصارت  اليوم تمشي بين الناس مزهوة بنفسها لا تنقصها غير الزغاريد ومواكب الزفة لكي تتربع على "عمارية" القذارة البشرية في عرس الأبالسة والشياطين.
هي تسعة نماذج بشرية
تسع ظواهر اجتماعية/ مرضية.
 وهم تسعة رهط يفسدون في أرض الله ولا يصلحون، ثم وصفتان بديلتان لآخر وجبة في مأدبة الفساد المستشري في المجتمع ،
تسعة في اثنين، لأنه ليس لهذه الظاهرة في الأخير غير  اسمين:
      " النذالة " و   " الفساد"
الفساد في زمن انحسار الفضيلة وانهيار القيم والأخلاق .
و النذالة في الزمن الرديء الذي بلا كرامة ولا شرف
 لأن النذالة في هذا الزمن الوغد تضاعف أرقام الفساد
تسعة رهط تقبض عليهم الكاتبة / المتحرية متلبسين بالجرم الاجتماعي المشهود، لتعرضهم على محكمة الدين والقانون والضمير والأخلاق والإنسانية ...وكل ما ..وكل من يمكنه أن يصدر حكما نزيها في حقهم، بعد أن أصبحت موالاة الباطل أولى عند البعض من موالاة الحق.
وجبةُ فساد كاملة، مع المقادير اللازمة لإعدادها وطريقة الاستعمال، والمقابل مجتمع بلا أمل ولا أحلام، مجتمع بارد الهمة، مشلول الإرادة.
تسعة رهط من المفسدين :
ـ البرلماني ـ المفتش ـ الإداري ـ المدرس ـ الطبيب ـ الشرطي ـ الفاكانسي ـ الكوايري ـ القاضي . ثم موظف لا يوجد إلا في المدن الفاضلة ، وطريق سيار للشهرة الخادعة .
 وهؤلاء التسعة لا تقصدهم الكاتبة لوظيفتهم أو مهنتهم أو مسؤولياتهم أو المؤسسات التي ينتمون إليها ..بل تقصدهم لذاتهم، وتحلل مضمرات سلوكهم وتجهر بنواياهم وخفاياهم وخبيئة أنفسهم حتى لا يخدعوا الطيبين من الناس والسذج الغافلين من موتى  العصر.
هي لا تقصد مؤسسة التشريع ولا مؤسسة القضاء ولا الأمن ولا التربية ولا الإدارة ، فلا بد لكل مجتمع حديث من مؤسسات ، والدولة لا تكون حديثة ولا ديموقراطية إلا بمؤسساتها ، فهي التي تنظم الحقوق والواجبات بين المواطنين والمسؤولين القائمين على خدمتهم " لأنه يفترض في المجتمعات الحديثة أن تكون المؤسسات في خدمة المواطنين"
الكاتبة لا تقصد إدانة المؤسسة  بما هي مؤسسة، وإنما تقصد الكشف عن الوجه القبيح لأولئك الذين يلطخون وجهها بقذارتهم النفسية وأوساخهم الاجتماعية .
والكاتبة أيضا حين ترسم أحلام البرلماني و المفتش و المدرس و الشرطي و القاضي ،فهي لا تقصد المفتشين والبرلمانيين والمدرسين إجمالا ، وإنما تقصد برلمانيا بعينه وإداريا بعينه ومدرسا وقاضيا وشرطيا بعينه .
إنها تقصد أولئك الأنذال الذين جعلوا الأشراف في هذه المهن يخجلون من الانتساب إليها.
   *ـ   الإهداء النداء / الصرخة(3) :

 وليس عبثا أن الإهداء في مقدمة الكتاب جاء كالتالي :
        (  إلى شرفاء هذه الأمة )
فالكاتبة تخاطب الشرفاء وتدعوهم لكي يرفعوا رؤوسهم ، فالذنب ليس ذنبهم في انهيار القيم والأخلاق، وإنما هو ذنب وجريمة الأنذال الذين لا قيم لهم ولا أخلاق ...وهؤلاء يجب أن لا نخجل من إدانتهم كلما كان ذلك ممكنا .
كأن الكاتبة تقول لمن لا يزال قادرا على الإنصات إليها منَ " الأولئك ":
" أنتم أيها الأنذال ، يا مرضى النفوس وذوي العاهات ، أنتم من أفسد الحياة وأفسد المؤسسات وأفسد المجتمع . وإذا كنا الآن نضحك من تفاهتكم وسخفكم ، فإننا نبكي في المقابل على ما صرنا إليه من أحوال ...فقد كنا مغفلين حقا حين صدقناكم ، كنا نعتقد أن البرلماني يدافع على مصالح الأمة والشرطي على أمنها والمدرس على تربية أبنائها والقاضي  على إقامة العدل بين أهلها  والكوايري يمتعنا وقت الراحة بعد شوطين من العمل بفن المراوغة الرفيع ، فإذا بكم تسعة رهط متحابين متآزرين في الفساد وعلى الإفساد ، فكيف لا نبكي على حالنا مما فعلتم بنا وبمجتمعنا وبمؤسساتنا ، وقد ردمتم مابناه الشرفاء طوبة طوبة بالعرق والدم والكلمة "؟
هذا ما يعنيه الإهداء /النداء/ الصرخة / الكلمة :
                          
(إلى شرفاء هذه الأمة )
إهداء نداء /وإهداء استغاثة، لتدارك هذا الانهيار وهذا الانحدار الذي يستحق منَ البكاءِ أكثر مما يستحق من الضحك ، إن كان فعلا ما يزال من بين أبناء هذه الأمة من هو قادر على الضحك على مهازلها التي أصبحت مآسي يشيب لها الولدان .
إنه ضحك كالبكاء
ضحك أَمَرُّ من البكاء على صور من صلب الواقع المغربي.

 
 نقد شركة الفساد:

والكتاب " ضحك كالبكاء " ليس كتابا في النقد الاجتماعي الساخر فحسب، بل هو أيضا كتاب في النقد السياسي...إنه لوحات ساخرة في النقد الاجتماعي والسياسي القاسي واللاذع والساحر.  فداخل قفازات من حرير و بلغة جزلة سلسة قوية التأثير . يرسمُ الوجه الاجتماعي لإفلاس القيم ويستغورُ البواطن والمضمرات ويحدد المسارات التي جعلت أصنافا ونماذج وفئات من الناس تهدد الأمن الشامل للأمة ، أي الأمن التشريعي والإداري والصحي والتعليمي والقضائي، من أجل الجنس والمال والسلطة والشهرة .وأيا كانت الوسيلة ، فلا شيء يمكنه أن يردع هذه الحثالة من الناس عن الوصول إلى أهدافها وإشباع جوعها المرضي للبروز والتفوق ، ولا شيء أيضا يمكنه أن يفك خيوط أحابيلها وشباكها وكمائنها والخطط التي تحبكها وتحوكها من أجل إرضاء غرورها وأنانيتها، هي التي لا تقنع بغير إذلال الآخرين واستغلالهم .لأنها  تعيش من أجل ذلك فقط .      
ولا شك  بأن لشركة الفساد هاته والمُحَفَّظة باسم الأنذال فروعا وامتدادات وأصولا وشجرة أنساب في غير ما جاء ذكره من القطاعات والمؤسسات عامة كانت أو خاصة .
  المفسدون في الأرض:

اختارت الكاتبة نماذجها بعناية فائقة "وإلا فالمجال كان عندها متسعا لتختار عينات أخرى ". وجعلت السارد يلبس جلدها ويتقمص أطماعها التي سمتها أحلاما " وهي أحلام مخيفة مرعبة " بالنسبة للأسوياء.
هي أحلام وأطماع المفسدين.
تسعة أحلام.
تسعة كوابيس لتسع حالات بل لتسع آلات للفتك والدمار .
1) برلماني
(4) يصعد رويدا رويدا من جحر الفاقة والشظف، ويحفر كالجرذ طريقه في المجاري والميازيب وليس في ذهنه غير الكرسي الذي تحت تلك القبة ومكتب تتهادى فيه حوله الحسناوات ويحطنه بعناية اللحم البض والشعر الأشقر المنساب. برلماني في الحزب العتيد يستميت في النضال من أجل استغفال الحزب والشعب وكل همه دوام المقام تحت قبة البرلمان .
2) مفتش
(5) مدلس ينظر إلى التلاميذ بريبة زائدة، ويتصيد أخطاء المدرسة ولا يتعفف ـ و هو المسن المتزوج  ـ عن التحرش في سره بالطرف الكحيل والخد الأسيل والخصر النحيل .
3) إداري
(6) يستغل سلطته الاعتبارية وإن كانت زهيدة القيمة في تشمم أخبار الأستاذات والاحتكاك بأكتاف وأرداف التلميذات أو استدراجهن إلى فخ كبته اللعين وتربيته المشكوك في نظافتها .
4) مدرس
(7) يقترح وصفات  للربح السريع ويفكر في وضع التصانيف والتآليف في البيداغوجيات الحديثة من أجل أن يعلم المريدين والأتباع كيف يصبح الواحد مليونيرا في أسبوع .
5) طبيب
(8) يعرف الفرق الساطع بين القطاع العام والخاص فيوفي كلا حقه. فقد تعلم حكمة إفراغ جيوب المسنين وجلاليب المسنات من "الكماميس" و"الكموسات" ، وأتقن وصف الدواء " الستندار " لكل الأمراض ومتابعة مستجدات تخصصه في لعبة الرامي .....طبيب قادر على أن يحول المتلاشيات البشرية التي غلبها الزمن وغدرت بها الأيام إلى سماد لتربة ضيعته وعلف لعجولها ،،، حين ستصير له ضيعة وعجول يقضي بينها الوقت الفائض عن حاجة المرضى الذين لا يستحقون اهتمامه .
6) شرطي
(9) يزهو بالبزة الرسمية ونجيماتها ، ويحترف دمغ رؤوس الطلبة وتصيد هفوات الطرق ومخالفات السير ، شرطي أخطبوط لا توقفه عن الشطط حقوق إنسان  أو بلاغة لسان، و ليس معنيا بعهد جديد أو مصالحة مع العبيد..
7)  فاكانسي
(10) يعود بروميته ورخصة إقامته في المهجر ليحرق قلوب العذارى والفتيان وهو يبعثر المال ذات اليمين والشمال لينتقم من أيام الذل والمهانة وزيف التطلعات و كذب الأحلام .
8) قاض
(11) يحسن أكل الأكتاف ، ودق العظم، وقرع الكؤوس ، وتكسير الرؤوس ، والحكم بما شاء على من شاء بلا دفاع ولا مرافعة .
9) كوايري
(12) لم يعد فقط حلم المراهقين ومالك قلوب العذارى ، بل صار يدير رؤوس الحكومات والدول . كوايري ليس له من فن اللعب والمراوغة غير اللعب بالشعر والأساور والدمالج كعارضات الأزياء والحلي . فقد فقد المسكين القدرة على اللعب بالأقدام . وضل الطريق إلى مرمى الحلم.
10) موظف
(13) لا مكان له إلا في المدينة الفاضلة .
11)  طريق سيار
(14) بالجنس والعري والهمز في الدين  تلك وصفة الشهرة السهلة المنال والمحاطة بعناية أهل الضفاف الأخرى إذا ناداهم نداء الواجب حي على تحطيم أصنام القيم وعبادة إله الجنس والمال .

*ـ  سرير التحليل النفسي :   

أعترف بأنني قد مررت على هذه النماذج البشرية مرور سريعا لكي أترك لكل قارئ حقه في الاستفادة والاستمتاع بهذه التحفة الأدبية التي أحسنت الكاتبة إعدادها وتقديمها برسمها الدقيق للخطوط والتفاصيل و بعزفها المتفرد على الأوتار الحساسة وسردها الشيق للأحلام والأوهام.
رسمٌ وعزفٌ وسردٌ ، تلك هي اللوحات الساخرة من "ضحك كالبكاء" .حيث كل لوحة  عبارة عن سرير يتمدد عليه معطوبو النفوس  والأرواح ليبوحوا بما خفي عن الأعين والأذهان من نوايا وأسرار تصنع واقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي وتؤثر فيه أكثر مما تؤثر فيه النظريات والخطابات الساذجة البلهاء.
تأخذ الكاتبة كرسيها كحكيمة جديرة بهذا الاسم، وتجلس عند رأس كل مريض الوقت الكافي  لتدوين هواجسه وهلاوسه ووسوسات نفسه.
الأحلام ليست أحلام الكاتبة.
وليس السارد هو الذي يحلم.
الذين يحلمون هذه الأحلام المرعبة هم مرضى المجتمع ومعطوبو النفوس.
مرضى «منومون"، يتمددون على سرير التحليل بالدور ليفضوا بدون وعي منهم بما يلمونه ويكتمونه في تلك الغرف السوداء التي تسمى نفوسا، وليكشفوا للعالمين أسرار هذا الانهيار الشامل للقيم في مجتمع نُخرت أسسه وأُكلت أكتافه ودقت عظامه.
هل هي لوحات تتكرر باستمرار وبعنوان مختلف في كل مرة ؟
أم أن اللوحات عنوان لعدوى تستشري في كامل أعضاء الجسد ؟
 هي هذا وذاك وأكثر من كل ذلك ،هي  لوحات ساخرة تكشف من خلالها الأديبة مريم لحلو عن اتساع الخرق على الراتق وعن استشراء جرثومة الفساد في كل المؤسسات والقطاعات ، جرثومة تهدد  الكيان الاجتماعي في جوهره ، أقصد في القيم الموجهة للسلوك عند الإنسان، وقد اضطلعت الكاتبة بدورها كاملا في دق ناقوس الخطر وفي الكشف والفضح والتعرية لعل الضمائر الحية الشريفة تفيق قبل أن يجرف التيار الهادر للنذالة والفساد الأخضر واليابس .
 مضمرات الكتاب :

يعمد الكُتاب غالبا قبل عرض  إبداعهم على الناس إلى الحذف أو التثبيت أو الإضافة خاصة إذا تعلق الأمر بكُتب تشتمل على مجموعة من النصوص،  فقد يرى الكاتب لغايات يصرح بها أو يضمرها أن يحذف أو يثبت أو يضيف نصوصا إلى كتابه ، وهو وحده  الذي يعرف لماذا وكيف اختار ترتيبا  دون آخر لهذه  النصوص. سأجازف إذن بالتسلل للمطبخ السري لهذا الكتاب لَعَلَّني أظفر بالوقوف على واحدة من مضمراته فأتقاسمها مع القراء ، بعد أن أصبحنا نحن "القراء" وبفضل هذا الفعل  الجليل الذي يسمى  "القراءة" شركاء في ملكية هذا المنتوج الأدبي الجميل .
فأقترح للتأمل الجدول التالي :  

نماذج ممكنات (البديل)  
نماذج قدوة ( المثال )
نماذج قاعدية ( الواقع )


ـ ذات... موظف
ـ طريق... الشهرة السيار



ـ ذات... فاكانسي
ـ ذات... كوايري

ـ ذات... برلماني
ـ  ذات...  مفتش
ـ ذات... إداري
ـ ذات... مدرس
ـ ذات... طبيب
ـ ذات... شرطي
ـ ذات... قاض


فالنماذج البشرية التي اقترحتها الكاتبة على قرائها تتكون من ثلاثة أصناف (ولا يحق لأحد أن يفرض عليها اختيارات أخرى أو يناقشها في اختياراتها ، فهي حرة مطلق الحرية في العمل على النماذج التي تشاء)
1) نماذج قاعدية : هي الأركان الأساس التي يقوم عليها المجتمع والحياة المدنية ـ علما بأن لها أشباها ونظائر في كافة القطاعات والمؤسسات وعلى مختلف المستويات من أدناها إلى أعلاها في المهام والرتب ، وهي نماذج استشرى فيها الفساد لدرجة أصبح يهدد المجتمع تهديدا واضحا صريحا ، ، فالتنذر بفتوحاتها اللا أخلاقية والضحك على تفاهاتها وسخفها هو في الواقع بكاء على أنفسنا أكثر منه ضحك عليها . وتشمل هذه النماذج         ( البرلماني والمفتش والإداري والمدرس والطبيب والشرطي والقاضي ) بتعبير آخر       ( التشريع والتربية والتعليم والأمن والصحة والإدارة والعدالة ) ولا يمكن لأي إصلاح أن تقوم له قائمة إذا كانت مثل تلك الجرذان الموصوفة آنفا تقرض وتقوض بالليل ما بنته و رفعته إرادة الإصلاح بالنهار.
2) نماذج قدوة : ولسنا نقصد القدوة الصالحة في هذه الحال ، بل نقصد ما يقدم للشباب كنماذج ناجحة في الحياة ، وما يقدم لهم كقدوة تمتلك قدرة هائلة على الجذب والتأثير والإغراء والغواية ، إنها " الهجرة " و " الكرة " إلى جانب مثيلاتهما وصويحباتهما في السينما والغناء .
والكاتبة تفضح الوجه الحقيقي لهذه النماذج المبتذلة من خلال " الفاكانسي " و"الكوايري" النموذجين التافهين الفارغين الأجوفين مهما كانت غوايتهما قوية وإغراؤهما كبيرا للشباب، فأفقهما مسدود، لا يلبي رغبة ولا يقضي حاجة، إلا الرغبة في الشهرة والكسب السهل السريع .، هذا إن حققا ذلك فعلا ، وقلما يفعلان.
3) نماذج ممكنات : وهي نوعان ـ  موجب، ولكنه مستحيل التحقق في مجتمع قادر على غسل الأدمغة والضمائر ومحو الذاكرة ودوس الشرف.
                                     ـ  وسالب، وطريق هذا سيار لا عقبات فيه ، وربحه مضمون ومحمي بألف دراع .
    إنهما  البديلان المقترحان من طرف المجتمع على أبنائه لتحقيق ذواتهم:
            أ) الموظف المنضبط القائم بالواجب الملتزم بلوائح العمل الحريص على إرضاء ربه وضميره وأهله ومجتمعه ..وهذا مكانه المدينة الفاضلة التي لم تعرف لها بعد طريق.
           ب) الوصولي لانتهازي الذي  يسعى إلى الشهرة بألف  وسيلة ،فيختار أيسرها وأسهلها " الجنس والسياسة و الهمز واللمز في قناة الدين ، مع توابل من توافه الأغاني وسقط الكلام وسفاسف المعاني "
        نماذج من الواقع فاسدة و قدوة تافهة واستقامة مستحيلة وطريق سيار إلى  نهاية القيم والأخلاق النبيلة .
هذا ما عليه الحال.لا قاعدة ولا قدوة ولا بديل . وإن يكن، فالكاتبة رغم كل شيء ترنو بنظرها إلى نصف الكأس الممتلئة، وتستنهض بأدبها همة أشراف الأمة .

    قوة الأدب :   
الجنس والمال والسلطة والشهرة ، هذه هي القيم الوحيدة السائدة الرائدة والموجهة لسلوك هذه النماذج البشرية التي وصلت بالمجتمع إلى الحضيض ، وإذا قيل سابقا بأن الأدب يكشف عن أعطاب المجتمع ويشرح جسمه ويشخص أمراضه أفضل مما قد يفعل ذلك البحث الاجتماعي أو الدراسة النفسية ،فإن هذا يصدق أكثر على هذه المجموعة من اللوحات الساخرة التي عرضتها الأديبة مريم لحلو على أنظار زوار  هذه القاعة الكبيرة التي نسميها مجتمعا .إنها لوحات أدبية تكشف أكثر مما قد يكشفه البحث الاجتماعي والدراسات النفسية من أعطاب وأمراض .

 *ـ   قوة الأسلوب:  
واحدٌ من عناصر قوة هذا الكتاب وهي كثيرة ، إنه أسلوبه الذي يؤكد علو كعب الكاتبة في فن السرد ، والكاتبة بارعة في توظيف ثقافتيها "العالمة" و"الشعبية" معا " اقتباسا وتضمينا" (15) في نصوصها الإبداعية دون  أن يخل ذلك بإيقاع سردها ولا بنبض كلماتها أو بصمات تعبيرها ، وهي ميزة لا تتوفر إلا للأقلية القليلة من المتمرسين والمتمرسات بالكتابة ، فنجد في كتابتها من الثقافة العالمة والشعبية الدرر المختارة من شعر أو حكمة أو مثل وقول سائر ، كما نجد المقطع الغنائي(16) يجري في توافق تام مع النغم الخاص الذي توقع عليه جملها وعباراتها . وهو أسلوب يؤكد أيضا ثراء وغنى المخزون الأدبي الذي تصدر عنه الكاتبة بعد أن تمثلته واستوعبته ثم أجرته متدفقا منسابا سهلا ممتنعا وعصيا على التقليد كما هو الشأن في كل أدب جاد ، وأصيل ، وحقيقي .

*ـ عود على بدء:
أما بعد :
فذات... حلمين :
حلم أدبي جميل بأن تتاح لي فرصة قراءة نصوص إبداعية تؤثر في الوجدان والعقل وتمتع وتفيد في الآن نفسه .
وحلم اجتماعي بأن أقرأ أدبا ملتزما بقضايا الناس ومنحازا إلى شرف الكلمة والموقف.
وجدت بين يَدَيَّ كتابَ " ضحك كالبكاء " للدكتورة الأديبة مريم لحلو .
الآن فقط سأحقق الحلمين ، وأشرع في قراءة لوحات ساحرة من الأدب الجميل والنقد الاجتماعي الساخر. .
الهوامش :

*الكاتبة : مريم لحلو" أم بثينة"
أستاذة مادة اللغة العربية بالثانوي التأهيلي وأستاذة زائرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة.
- شهادة الإجازة في الآداب، شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة، 1990
- شهادة استكمال الدروس، تخصص أدب عربي قديم، 1991، كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة.
- شهادة التخرج من المركز التربوي الجهوي سنة 1991 بوجدة.  
- شهادة الدكتوراه في الآداب، تخصص أدب مغربي،2003 كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة،
الأعمال:
كتب منشورة في مجال الدراسة والتحقيق:
-  كتابا:"  إسماع الصم في إثبات الشرف من قبل الأم للمراكشي الأكمه ،ويليه إسماع الصم في إثبات الشرف للأم لمحمد بن مرزوق: دراسة وتحقيق" الطبعة1،  1426 هـ/2005م ، مطبعة الهلال وجدة. الطبعة 2، 1427~ 2006 مطبعة الشرق وجدة.
-   كتاب "شرح ياقوتة البيان" لمحمد الصغير الإفراني :"دراسة وتحقيق" الطبعة1، 1427هـ/2006م. ، مطبعة الشرق وجدة.
_   كتاب " "أراجيز مغربية في علم البلاغة" يضم خمس أرجوزات نادرة لناظمين مغاربة."جمع ودراسة وتحقيق" الطبعة1، 1427هـ/ 2006م ، مطبعة الشرق وجدة.
·         في السرديات:*
ـ  كتاب "ضحك كالبكاء" لوحات ساخرة الطبعة،2013 مطبعة الجسور وجدة
ـ  عدة  مقالات منشورة في مجلات وجرائد وطنية وعربية  كدعوة الحق ومجلة الذخائر البيروتية.
ـ      المشاركة في عدة حلقات دراسية و ندوات وطنية ودولية،مثل ندوة اللغة العربية والأصول الشرعية وندوة ربيع المخطوط الأندلسي الدولي تكريما للدكتور بنشريفة ، وندوة الشعر العربي المعاصر في المغرب:مفاهيم وقضايا

 * الكتاب :    " ضحك كالبكاء/ لوحات ساخرة.
            لوحة الغلاف : نور الدين بورحمة
           الطبعة الأولى: 2013    
           المطبعة : مطبعة جسور ش.م.م/ وجدة .

*  تنويه خاص  : تجدر الإشارة إلى أن هذا هو الكتاب الرابع الذي يحمل نفس العنوان المقتبس من البيت الشعري الشهير للشاعر الأشهر " أبو الطيب المتنبي "
ـ وكم ذا بمصر من المضحكات   **   ولكنه ضحك كالبكاء .
أما الكتب الأخرى فهي على التوالي :
ـ ضحك كالبكاء : للمغربي إدريس الناقوري  ـ نقد الأدبي / دار النشر المغربية 1985
ـ ضحك كالبكاء: للعراقي  ماجد الحيدر ـ  مقالات  ساخرة/بغداد 2010
ـ ضحك كالبكاء : للسوري نور الدين الهاشمي ـ  قصص/ دار نينوى دمشق 2010
ويعتبر كتاب الأديبة مريم لحلو بدون شك إضافة نوعية في مجاله لهذه السلسلة.
1ـ ذات ...موظف : صفحة 74
2 ـ طريق الشهرة السيار صفحة 80
3 ـ الإهداء صفحة 5
4 ـ  ذات... برلماني  صفحة 17
5 ـ ذات ...مفتش صفحة 25
6 ـ ذات ...إداري صفحة 30
7 ـ ذات ...مدرس صفحة 35
8 ـ ذات ...طبيب / صفحة 44
9 ـ ذات ...شرطي / صفحة 52
10 ـ ذات ...فاكانسي / صفحة 57
11 ـ ذات ... قاض / صفحة 84
12 ـ ذات ...كوايري / صفحة 69
13 ـ ذات ... موظف / 74
14 ـ  طريق الشهرة السيار/ صفحة 80
15 ـ انظر مايلي : صفحة 17 ـ 21 ـ 22 ـ 27 ـ 48 ـ 50 ـ 57 ـ 64 ـ 70 ـ 72 ـ 83 وغيرها .
16 ـ انظر بالخصوص : صفحة 70 ـ 52 .   

القنيطرة في 29/08/2014
ــ جمال الدين حريفي

04/10/2013

صدور المجموعة القصصيّة : طبيبة القرية لعبد الله زغلي

طبيبة القرية
قصص قصيرة
عبد الله زغلي
طبع : برانت عين ـ وجدة
الطبعة الأولى 2013


هنيئاً للأستاذ عبد الله زغلي بإصدار مجموعته القصصية <<طبيبة القرية>>، التي انضافت إلى المنجز السردي المحلّي ... مع تحيات مدوّنة <<البستان الشرقي<<

31/07/2013

زواج آخر العمر/ أو ذنوب أمِّي رقية

قصة قصيرة مهداة الى الصديق الطيب والرائع والمبدع دائما : فريد كومار

عن فكرة للكاتب : فريد كومار


فجأة انبجست أمامه عين ماء زلال وهو العطشان الصد
ي، كان يصعب عليه أن يكمل العشرة أيام الأولى من كل شهر، بتلك الأجرة المنحوسة التي تجود بها عليه الوظيفة ..فتات أجرة ... وفي الحقيقة فتلك الأجرة، هي كل ما كان يشده إلى العمل .. بل و إلى الحياة أيضا... أما الآن .. ولأول مرة في تاريخ حياته المليئة بالخيبات، يحالفه الحظ، ويستجاب لطلبه (المغادرة الطوعية) .. منحة من السماء ـ قال لنفسه ـ .. خمسون مليون ريال ... لم يكن يحسن العد بالدرهم، ولا بالفرنك .. خمسون مليون ريال قد لا تساوي عند أصحاب الملايير ساعة تزين معصم الابن ... أو قرطا يزين أذن العشيقة .. أما بالنسبة له هو ... وخمسون مليون مرة واحدة .. بدا له المبلغ كتلة من الأوراق يصعب عدها .. الآن ستفتح له أبواب الجنان ... سيلبس "سبور" .. سيصبغ شعر رأسه وزغب حواجبه .. سيدخل الفنادق الرفيعة .. ويصفق بيديه فقط لكي يقف النادل الأنيق عند رأسه بأدب .. سيستعيد شبابه .. بل سيعيش شبابا جديدا لا عهد لشباب اليوم به .. انتهى عهد الهؤلاء ... والعهد عهده اليوم، والسعد سعده ... غير أن غيمة سوداء مثقلة بالشجن عبرت سماء أحلامه الزرقاء،  وكدرت صحوها. رقية .. ومن غيرها. رقية المأفونة ..الشمطاء ... كيف له التخلص منها ؟ أربعون سنة وهي تنغص عليه الحياة ... عمر أسود . أكلا العدس حين كان العدس هو لحم الفقراء، عاشا على الخبز والزيت، استعملته كبغل يجر على الدوام عربة المآسي وهي تلفح ظهره بسوط لسانها الجارح. أنجبا في غفلة من الزمن خمسة أولاد، وحين صارت للأولاد أجنحة،  طاروا بها  بعيدا،  وبنوا أعشاشهم على أشجار غريبة. منذ غادروا لم يسأل عنهم ولم يسألوا عنه، انشغلوا بهمهم .. وتركوه وحيدا مع حيتهم الرقطاء،  التي تطل عليه كل صباح من جحرها الذي تسميه غرفة نوم، وتشرع في سلخ ما تبقى له من جلد بسكين لسانها القاطع، سكين وسوط.  مر طيفها أمام عينيه ... وهل لها طيف؟.. بقرة سمينة ... مترهلة ... كثلة لحم ... عينان تكادان تختفيان وسط تجاعيد الوجه ... بل جحران .. تلمع فيهما جمرتان حمراوان. تذكر طبيخها المقرف،  تذكر صوتها الأجش كالمنشار، هو يراها هكذا، حتى وهو يعلم أنها ليست هكذا. عض على شفتيه من الحسرة والغيض .. قصد المطبخ حيث  تعد له كعادتها براد شايه الحار بعد العشاء، نظر إليها بلا خوف ولا تردد وقال ..:" رقية .. تحتاجين إلى الراحة .. تعبت كثيرا ..ولم تعودي قوية كما في سابق عهدك ... وأنا، مع الملايين التي أنعم الله بها علي، قادر على القيام بحقك خير قيام .. فقط يجب أن تتفهمي وضعي الآن ... ستعيشين معززة مكرمة ...اذهبي عند من تشائين من أبنائك.. سأرسل لك كل شهر ما تحتاجينه ... ولن ينقصك خير ...فكري يا رقية في ما أعرضه عليك .." لم ترفع رقية عينيها إليه .. انسحبت مكسورة القلب إلى غرفة نومها... تمددت على السرير وراحت تستدعي الذكريات والدموع معا، فجاءتها الذكريات غزيرة ولم تأتها الدموع ... تحجرت الدموع في عينيها . رأت نفسها وهي بعد صغيرة تنتقل من بيت الأسرة إلى دور الكراء ...رأت نفسها تكافح وتصبر..وتجوع وتعرى وتصبر ... وتُضرب وتُنجب وتصبر ...رأت شعلة الأيام تنطفئ في صدرها .. رأت حياة بلا دفء ... مجرد رماد ... حياة من غسيل وطبيخ وصحون، وبضع تأوهات بالليل حسرة على ما فات ... تظل النهار منكبة على الجفاف وفي المساء يمرون جميعا على ظهرها إلى أسرتهم يتفرجون على أيامها السوداء ، وتتابع هي تقشير البصل ورتق الجوارب .. لم تستطع المرأة متابعة الشريط إلى نهايته ... نامت وسط الأحداث .. نامت في منتصف العمر. وفي الصباح وجدوها ميتة، ماتت المرأة من الغم والكمد . رفع الرجل كفيه بالشكر والحمد للسماء : " أخيرا ..أخيرا ....سأعيش ." لم تكلفه جنازتها شيئا ..فالجيران دائما متضامنون في المآسي .. وحتى في الأفراح ...عثروا له سريعا على زوجة تؤنس وحدته. شابة كما يشتهي..قطة غضة لا ترفع عينيها في وجه أحد..قالوا له هي متعلمة ولكنها "بنت دارهم" رمانة مغمضة ولا تفرق بين القوقة والبرقوقة ... وكذلك كان . لا تفرق بين القوقة والبرقوقة  فتضع الفواكه بدل الخضر في الطنجرة وتنتظر أن يستوي الغداء على النار لوحده..صار الرجل يفضل الأكلات السريعة التي تأمره بأن يحملها لها معه من الفنادق القريبة ..ولم  يكن هذا هو الاكتشاف الأول الذي فاجأته به ...فقد اشترطت عليه في الأول ،  وقبل أن يضعا الأسود في الأبيض، أن يسجل المنزل باسمها .. فلا ثقة في الزمن، والأولاد إذا حدث  له مكروه لا قدر الله، سيزاحمونها على الغرف في أحسن الأحوال ، أو يبيعون الدار فوق ظهرها وتخرج هي من المولد بلا حمص. تفهم الرجل الطلب ..ثم لم لا ؟.. وهل سيخسر شيئا ..تذكر رقية وهي تضع بين يديه ما نابها من إرث والدها .. : " خذ ..خذ .." قالت .." رزقنا ورزق الأولاد اشتر قبر الحياة .. وأخرجنا من ذل الكراء " اشترى المنزل بمال رقية ... وهاهو يسجله باسم الزوجة الجديدة ... ولم لا ؟ ... هو لم يخسر شيئا من جيبه .. شابة وتريد أن تضمن حقها،  أين العيب ؟ والمال والحمد لله وفير ...خمسون مليون .." تحسب وتعيا " وبقدر ما كانت الزوجة الجديدة صغيرة، كانت شاطرة.. تحسن إلهاب مشاعره متى شاءت . أصبحت أحلام الرجل في متناول يديه ..ولكن كان عليه أن يدفع كلما اشتهى تحقيق أحلامه أو أخذها بين يديه .. كان عليه أن يدفع ... وكل شيء بثمنه .. كانت شابة وكانت تريد أن تبيع شبابها غاليا .. تسوي ربطة عنقه .. فيدفع . تمرر يدها على شعره، فيدفع . تضع رأسها على كتفه ،فيدفع . تمشي إلى جانبه ،فيدفع لمجرد أنه يمشي الى جانبها مزهوا بنفسه. الكلمة بثمن والهمسة بثمن واللمسة بثمن. وكان جوعه إليها يزداد مع تمنعها فلا يأخذ حتى يدفع. صغيرة وماكرة .. "بنت دارهم " ولا تفرق بين القوقة والبرقوقة، وكلما ازدادت طلباته ارتفع الثمن حتى جاءته يوما بكشف الحساب، مدت له الورقة البنكية وقالت : " انظر... لم يبق في رصيدك شيء... وأنا لست بنت الكلاب ...وحتى وإن كان هذا المنزل منزلي ...فسأسمح لك بالبقاء فيه ولكن بشرط .. أريد أن تطلقني ... نعم طلقني وابق هنا قدر ما تشاء ." وثق الرجل بها ..وما كان له أن يفعل غير ذلك . طلقها في الصباح ... وحين عاد مساء اليوم نفسه الى المنزل الذي كان منزل رقية قبل ان يصبح منزله هو ..وجد حقيبة ثيابه وبعض اشيائه عند العتبة. أخرج حزمة مفاتيح من جيبه.. حاول فتح الباب ... ثم حاول .. أدرك بأنها قد غيرت القفل


بقلم: جمال الدين حريفي


السّندباد


الإهداء إلى المبدع أحمد بوزفور بمناسبة تكريمه من قبل مدير مجلة ديهيا محمد العتروس بأبركان


في صبيحة باردة شاهدته في أبهى حلّة. يخرج في وقار من منزلهم الكائن بإحدى الحارات المغربية العتيقة، يلبس طيلسانا أبيض ودُرّاعة خضراء ويعتمر عمامة مكوّرة تدلّت ذؤابتُها بين كتفيه ويحتذي حذاءً جلديا بنيَ اللّون.ويحمل على كتفه جرابا ملأه بكومة من القراطيس البيضاء وأربعة أقلام من قصب ودواةَ حبرٍ صيني.
مشيت خلفه في دروب الحارة مسافة طويلة حتى انتبه إليّ، فتوقف عن المشي. تفرّس في ملامحي وسألني مستغربا:
ـ لماذا تتبعني يا هذا؟
أجبته:
ـ أريد الصُّحبة يا سيّدي.
قطّب ما بين عينيه سائلا:
ـ أوَ تدري مَقْصِدِي؟
قلتُ:
ـ أي نعم يا سيّدي.
ردّ عليّ:
ـ إنك لن تستطيع معي صبرا. اذهبْ إلى حال سبيلك فمشواري طويل. أنا ذاهب...
قاطعته قائلا:
ـ أنت ذاهب في بحث عن كلمة هربت منك يوما وتلاشت حروفها في هذا الكون. ذاك مقصدي أنا أيضا لكنّني أريد صحبتك فاصطحبني رجاءً.
أشاح بوجهه عنّي على غير عادته وكرّر عليّ:
ـ إنك لن تستطيع معي صبرا.
واصل طريقه يخيط أزقّة الحارات زقاقا بزقاق حتى المرفأِ حيث الباخرةُ الشراعيةُ المشهورةُ باسم "الشّمّاء" راسيةً في شموخ الكبراء. صعد إليها ولم يلتفتْ إليّ وكنت أوده أن يفعل. وقف على دَستور السّفينة ونظر بعيدا إلى الأفق. وتلى الآية الكريمة "باسم الله مجراها ومرساها" وأعطى إشارته للبحّارة بالإبحار. لم يكن البحّارة سوى مبدعين من وطني. عرفتهم واحدا واحدا من خلال ما قرأت لهم فأحبّبهم.
تحركت "الشّمّاء" ببطء شديد ومع تحركها تملّكني اليأس وخنقتني العبرات. وقلت في نفسي ضاع الأمل في الصّحبة. لكن فجأة توقفت السفينة ولم تكن قد ابتعدت كثيرا عن الرّصيف، رأيت الرّجل يقف على دَستورها ويلوّح لي بيده اليمنى ويناديني بصوت جهوري اختلطت نبراته بهدير الأمواج.من فرحي قفزت في الماء وسبحت بقوة حتى وصلت السفينة. رأيت الرّجل يمدّ إليّ يده الطويلة كيد عملاق وينتشلني من الماء. وقفتُ أمامه أرتجف من برودة ملابسي المبتلّة.ابتسم لي ابتسامة عريضة شجعتني على الارتماء عليه ومعانقتِه فبلّلتُ دُرّاعته وطيلسانه. تراجعتُ خطوة إلى الوراء في حياء قائلا:
ـ معذرة يا سيّدي معذرة.
******
أحسست ب"الولية" تهزّني هزّاً خفيفا. استفقتُ من حلمي الجميل، فسألتني:
ـ لمن كنتَ تعتذر؟
أجبتها:
ـ كنت أعتذر للسّندباد الصغير لسّي أحمد بوزفور


محمد مباركي

تصوير : م. تاغزوت

14/07/2013

عن إبداعات سامح درويش بالمقهى الأدبي - وجدة

مقهى لاميرابيل  -  وجدة
  13 يوليوز 2013


هباء خاصّ
قصص
سامح درويش 
الناشر : منتدى رحاب للثقافة والتضامن والتنمية 
المطبعة : المتقي برينتر المحمدية
الطبعة الأولى 1999
لوحة الغلاف : اليزيد خرباش

ألواح خنساسا
رواية
 بنسامح درويش
المطبعة : مؤسسة النخلة للكتاب وجدة
الطبعة الأولى 2004
لوحة الغلاف : اليزيد خرباش

القهقهات
شعر
سامح درويش
منشورات وزارة الثقافة 2010
سحب : مطبعة دار المناهل 2010

هنيئاً للمبدع سامح درويش، وللمقهى الأدبي بهذه السهرة الثقافية الشيقة، في مدينة وجدة الغالية

11/04/2013

أنا الزعيم




أنا.. أنا الزعيم الحاكم الذي ترنو إليه جبابرة نصف الكرة الأرضية، ليس لي الحق في المشي في الشوارع، والوقوف عند الكشك الصغير، وشراء ما أريد وأشتهي!!
أنا الكبير الأكبر من كل كبير، أنا المتحكم في كل أمور الدنيا.. أنا الفعّال، المِفعال، الرعديد، الصنديد، ليس لي الحق في الخروج من قصري وحدي؟ والمبيت عند أصدقائي أو صديقاتي !!
أنا محروم من شم روائح حدائقي!
أنا محروم من  الدخول إلى الحمام البلدي !  محروم من الاستلقاء على ظهري أو على بطني أو كيف أشاء ومتى أشاء!
أنا.. أنا الزعيم الحاكم، الرجّام، الراجم، الرجيم، المُطاع، المُختال، القاتل،
القتال، الجارِح، الجرّاح الذبّاح، المُراوغ، المُتبجح، المُفلق، البَتّار، القنّاص، المستأسد، الفاسد، الفسّاد، المفسد، والمستفسد، ليس من حقي أن أحمل قطعة نقدية بسيطة في جيبي مثل جميع خلق الله!!!
أنا الزعيم ليس من حقي أن أجلس مع صديق حميم في مقهى بسيط، لأنه ببساطة ليس لي أصدقاء!!  
أنا الزعيم الأكبر.. ليس من حقي المشي في الأسواق، حيث صُورٌ بالأَسْود والأبيض لنسوة يفترشن الأرض، ويبعن بَيْض دجاجاتهن! 
أنا الزعيم ليس من حقي أن ألامس أجساد الناس، وأن لا أشم عرق البسطاء الذين ليس لهم أنهار ولا أودية ولا بحار. 
أنا الزعيم الأكبر، محروم من الجلوس وحيدا تحت شجرة إذا ألمّ بي التعب، والشرب من ماء غدير، أو جرّة وضعها أحدهم على  قارعة الطريق رغبة في أجْر ربه وثوابه.
أنا الزعيم ليس من حقي الخروج  للخلاء وحدي !!
 أليس من حقي أن أتفقد أقفاص حيواناتي؟؟ وأن أزور سجون بلادي وحدي؟؟
أليس من حقي أن أؤدي فواتير الماء والكهرباء وحدي؟؟
 أليس من حقي أن أركب تاكسي صغير في يوم قائظ، وأطل من النافذة على بائع السمك، والبنّاء، والحدّاد، والدهّان، ونادل المقهى وهم يعملون؟؟
أنا أشكو همّي لشعبي لعله يفهمني، وشعبي يشكو همه لله لعله يحقق مُبتغاه.




 معمّر بختاوي

23/03/2013

باتريوت


             الأصوات تتعالى متسامية فوق بعضها البعض، وتزداد نبرتها حدّة، كلما ازداد قرص الشمس احمرارا، وتأهبا للارتماء خلف التلال المحدقة بالمدينة. الألسنة تصدح بالأثمنة وبأسماء المواد المعروضة للبيع. من بين هذه الأصوات القوية استطاع صوت المكي أن يخترق طبلة أذني، مناديا علي باسمي:  
            - تفضل أستاذ مرحبا بك.
            - شكرا دكتور كيف هي أحوالك؟
            - بخير والحمد لله كل شيء على ما يرام.
            - أريد أقراص الروماتيزم.               
            - طيب كل الأدوية موجودة، لكل داء دواء، لكن قبل أن أعطيك ما تريد أرجو أن تبقى مكاني، سأخرج لأقضي بعض الأغراض وأرجع، تفضل بالجلوس هنا.      
              - حاضر دكتور المكي، ولكنك لم تثبّت اللوحة النحاسية، وقد كتب عليها الدكتور المكي خريج كلية.. جامعة..
              - شهرتي؛ بلغت عنان السماء لا حاجة لي بالنحاس، كن حذرا إنّ....
قبل أن يتم كلامه قاطعته.
              - إنّ الأثمنة مثبتة على كل المواد، أليس كذلك؟
              - ليس هذا فحسب.
              - وماذا أيضا؟
               - إن ذوي الأيادي السليطة كثر، في هذه الأيام العشر الأواخر المباركة من الشهر الفضيل.
              - تقصد جابي الضرائب؟
              - أقصد لباندية، الشفارا، أولاد لحرام.
               - هوّن على نفسك، فصيدليتك محصنة لن تطالها أيادي النشالين، و..                              
قاطعني وقد استشاط غضبا وعلت محياه حمرة، وانتفخت أوداجه حتى كادت تنزف.                                               
                - أولاد الكلاب، في لحظة سهو مني، سرقوا من المحل رأس الضبع، وجلد الثعبان، ونصف كيس من الحبة السوداء.                                                                                                 
                - في الحقيقة؛ فعلوا خيرا، بأن طهروا المحل من ذلك الرأس المقزز، ومن ذلك الجلد العفن، صراحة كنت أظنه رأس كلب لا رأس ضبع.                                                                             
                - ذلك الرأس، القليل من فتاته، كنت أبيعه بثمن غال، وذلك الجلد، فمقدار خمس سنتيمترات على خمس، كنت أتقاضى فيه أجر يوم كامل من راتبك الهزيل.                                                      
               - الشياطين مصفّدة، فكيف حصل لك هذا يا دكتوري العزيز؟                                        
               - سهوت، وسبحان الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؛ قبل العصر غفوت، فاغتنموا الفرصة، وفعلوا فعلتهم "ليأكلوا في بطونهم سمّا إن شاء الله الرحمان الرحيم".                                                          
  غاب برهة من الزمن، ثم عاد ليطرح علي سؤالا غريبا، ومثيرا للريبة، حتى ظننت أنه أصيب بمس، أو اختل عقله، جراء ما تعرضت له صيدليته من سطو.  
              - هل سبق لك أن رأيت الجن رأي العين؟    
              - أنا، لم يحدث لي ذلك، سمعت عن أشخاص حصل لهم الشرف لمشاهدتهم، و قيل عن أحد زملائي في العمل، رحمه الله، إنّه كان متزوجا بواحدة من سلالة النار.
               - احك لي عنه بالتفصيل المفصّل.
               -  تريد أن تعرف الحقيقة؟ 
              - أي، نعم.
              - صراحة، أنا لا أصدق هذه الأقوال. 
              - ياك ما حتى أنت من هذوك اللي يتفلسفوا و يقولوا ما كاينش ربي .....؟  
             - لا،لا، حاشا أن أكون من الجاحدين، لا تسئ الظن بي.
             - أعطني أذنك ، واسمع لي جيّدا، أنا، شاهدت جنية كاملة مكمولة. 
             - كيف؟ 
             - هنا، في هذا المكان بالذات، " فين راك واقف بالضبط".
            - ايوا زيد السي المكي؟ 
            - الزيادة من رأس الأحمق، أنا، لا أقول إلا الحّق، وقفت حيث أنت، وجعلت تقترب مني، شيئا فشيئا، وعيناها منغرزتان في عيني، وأنا، مسمّر في مكاني، وجامد، أنتظر أن تطلب مني رأس الحانوت،  أو الحرمل، أو حب الرشاد....    
            - أو شيئا من فتات مخ الضبع؟                                                                            
            - اللي خدموني فيه أولاد الحرام، يأكلوا فيه برزطم.                                                          
            - ثم ماذا؟                                                                                                     
             - تفرستني جيّدا، ودنت مني وجعلت ترنو إلي، وتحدق في عيني، دون أن تنبس ببنت شفة، حتى اغرورقت عيناها البراقتان، كما لوكانت تنظر إلى قرص الشمس في عز الصيف.
              - بماذا أحسست، وهي ترسو على شاطئ لحظيك، وتغوص في بؤبؤ عينيك؟ 
             - بصراحة، والكاذب ملعون، لقد تقنفذ رأسي، وجفّ لعابي، وكادت أطرافي تشلّ، فتسارعت نبضات قلبي، في الأخير شعرت، كأنها سكنت ذاتي.
           - بّا المكي، ياك ما باغي تجدد الفريضة؟
           - فاتني القطار.
           -  ثم ماذا فعلتما؟                                      
            - انصرفت، خرجت عقبها، اختفت في الزقاق، ذابت وسط الزحام، لم أعثر لها على أثر.
             - وما أدراك بأنها جنية، وليست من بنات حواء؟ أم تراك، شممت رائحة  الكبريت والدخان تنبعث من جسدها، أم تراك مليت نظرك في زغب رجليها ذات الأظلاف الحادة كأنياب الفيل؟
           - فقيه حومتنا، هو الذي جعلني أتيقن من هويتها، الحمد لله على أية حال، لقد مرّ الحادث بسلام.
          - هل صدّقت الفقيه، كما صدقت ما رأت عيناك؟
           - قل أو حي إلي أنه استمع نفر من الجن...هذا دليل وجودها، وحضورها إلى صيدليتي. الله يعز الطلبة.
         - نحن، على مشارف نهاية الألفية الثانية وأنت مازلت تحشو رأسك بهذه الخرافات؟ 
         - ها أنت، تريد أن تكون من أولاد الذين.   
         - فق آبا المكي...
        - لفقيه قاري القرعان، وحافظ الستين، صدره كنز.  
        - القرآن وليس القرعان؟
         - اللسان ما فيه عظم، ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة.
        - ربي، يجب أن تعرفه، وتعبده، عن علم، لا عن جهل، آبّا المكي؟
         - الحمد لله ما غادي تنيط مني والو.
        - عمّن تتكلم؟
        - عنها هي،  الروحانيّة، التي اقتحمت علي عطّارتي؟
        - أفصح.
        - لفقيه العياشي ببركته، حصّنني من تابعتها، عمرها ما تعتب هذه العتبة.
         - زودك بالباتريوت؟
         - آش يكون هذا البرويط؟
         -  صاروخ يقضي على صواريخ العدو.
 قال وهو يشهر في وجهي حرزا نحاسيا، أخرجه من تحت إبطه. 
          - هذا يتصدى لكل الشياطين والجن!
          - عجيب، أمرك يا هذا، وكم دفعت له؟
          - اكتفى بخمسمائة درهم نقدا، وكيلو غرام من العسل الحر فقط، لم يشترط أكثر من هذا.
         - الآن لديك حق الفيتو؟   
         - بالطبع أنا بحال لمريكان، و الروس. 
أثناء إخراجه للحرز، أو لحق الفيتو، كان قد أخرج ظرفا بريديا، وناولني إياه لأطلعه على محتواه.
         - هيا أخبرني، ماذا تحمل هذه الرسالة؟
         - وزارة المالية..مصلحة...الأملاك..قسم الجبايات ..يجب أداء المبلغ.. قبل..في حالة عدم..ستكون..للإكراه..وفقا لمقتضيات، الفصل، من قانون المادة الفصل..
         -  فهمني غير بالشوية، راه ركابي فشلوا.. 
         - المكي، هذه ضريبة فقط، وليست روحانية.                                         
         - واش حتى العطارة يخلصوا الضريبة؟    
         - لا تسددها.                               
        - والنتيجة؟
        - عندك حق الفيتو؟                      
        - كفاك سخرية. 
           من حين إلى آخر، كان بعض الأشخاص يقاطعوننا، طالبين بعض الأعشاب، وأشياء أخرى كانت تبدو لي تافهة، بينما هي ذات قيمة مادية بالنسبة للمكي، وذات قيمة علاجية مهمة للمشتري أوالمشترية، مثل جزء من أسطوانة ثلاث وثلاثين لفة قديمة، الكبريت، والزئبق، والفاسوخ، وقليل من الرصاص، وبذور، وزيوت مجهولة الأصل، لا أذكر أسماءها. وقبل أن أنصرف قال لي:
          - إنك لم تسألني عن السيدة ذات السيارة الفارهة؟ و لاعن الشخص ذي البذلة الأنيقة، ولكرافات الحمراء؟ ولا عن الشاب صاحب البذلة الرياضية؟
        - لا بأس، من التطفل إذا كان ذلك يروح عن النفس، هيا خبرني مون دكتور.
        - السيدة، هي صاحبة محل تجاري كبير، بلغتكم تسمنوه بازار، جاءت راغبة في باتريوت لزوجها،  وفي نفس الوقت تريد حرزا يجلب لها الحظ، أو بعبارة أخرى حرزا يصرف عن بازارها غارات الصواريخ الطائشة، المنفلتة من عيون الحاسدين، و تريد من السي العياشي بأن يصنع لابنتها العانس، القبول لتتزوج.
           - أفصح يا صاحبي؟
سكت هنيهة، وطلب مني أن أدنو منه أكثر، فأكثر، ثم همس قائلا:
            - بغات الحبة الزرقة.
           - يعني  بغات لفياكرا.
           - أما الرجل الأنيق فهو بوكاظو كبير.
           - قل محام، هل نصبته ليترافع لك أمام المحكمة عن قضية ما؟
          - يا لطيف، الله يسترنا، وينجينا من دار الشرع، ومن المخزن، وطلع وهبط!
        - لم شرّفك بطلعته البهيّة؟
         - احتاج لواحد لباتريوت، وباتريوت صحيح، يصد عن مكتبه التابعة، ويجلب له الزبناء، قال لي راها الدعوة ناشفة، وراه غارق في لكريديات.
         -......................!
          - قال بأن الناس ميكت عليه، بدوا يفكروا في الخيط لبيض؟
         - على ما أظن، لفقيه العياشي راه ضارب يده.
         - لقراية، هي اللي قرا السي العياشي.
         - .............................! 
         - ماشي بحال قرايتك أنت، اللي غرقاتك في لكريدي كما السي البوكاظو.
        - المحامي؟
        - غير بحال حال.


أحمد بلكَاسم


هامش:
السي: السيد.
آبا: يا أبي.
الدمياطي: من كتب السحرة.
آش يكون: من يكون.
مون دكتور: يا طبيبي.
غير بالشوية: رويدا رويدا، شيئا قشيئا.
راه ركابيا فشلوا: وهنت ركبتاي
التابعة: النحس
بغات: أرادت، ودّت
عمرها ما تعتب: لن تطأ عتبة الباب أبدا
ماشي بحال: ليس مثل
لكريدي: الدين
البوكاضو: المحامي